الرئيسية / مقالات و دراسات / مقالات جزائرية / زفرة مهموم – الأستاذ ياسين إعمران

زفرة مهموم – الأستاذ ياسين إعمران

Print Friendly, PDF & Email
نحن للأسف كدولة وكشعب لا نعرف ثقافة الرمز، لا أدري لم؟ ..
ربما لأننا نشأنا على شوفينية غير عادية أننا شعب عظيم وشعب قام بثورة عظيمة، فلم نعد نُعط اعتباراً لكبير..
وقد تكون الظاهرة مغاربية وليست فقط جزائرية، لكن في الجزائر تتخذ شكلا قبيحا ومفرطا في القبح، وبيئة كالجزائر لا تنمو فيها المواهب وسرعان ما تذبل لولا بعض عنايتها من بعض الخيّرين، أو لولا قفزهم من هذا القطار الثقيل والمتهالك وخروجهم إلى بلدان تعترف بالفضل لأهله..
صدّقوني إنها حقيقة مؤلمة ومنشؤها قديم جداً.
الشيخ العلامة الإبراهيمي كان يبيع التوابل والشحمة في الأسواق، ولو كان في المشرق من هو في مقامه لعمروا به سمع وبصر الدنيا.
كان عندنا علماء يعيشون في شقق كالأقفاص، لم يلتفت إلى معاناتهم أحد.
زرهوني الذي كان مدير معهد الأبحاث في واشنطن لو بقي في الجزائر لظل أستاذاً يطارده الطلبة لأجل نقطة ونقطتين!
هذه هي الحقيقة المرّة التي تصرخ في وجوهنا، بل حتى في غير مجال الدين والعلوم، في مجال الفنون والغناء والشطيح والرديح الذي يحبه مسؤولونا فلو أخذنا واحدة كوردة الجزائرية ستجد أن من صنعها هم المصريون والمشرق العربي، ولو عاشت في الجزائر لكانت اليوم في القنوات الجزائرية تقوم بعمل تقرير متلفز عنها لجمع التبرعات لها للعلاج أو الأكل!، ولما جاء جثمانها إلى الجزائر حملوه برافعة سلع!!!
التقيت بشيخ فاضل جامع للقراءات العشر وهو مقرئ متمكن وعظيم، كان يعيش في بلاد الشام وقصّ عليّ كيف أكرموا مقامه هناك وأعطوه بيتا عربيا كما يسمونه، وهو البيت الذي تشاهدونه في الأعمال التلفزيونية السورية، واسع وبوسطه نافورة ماء وبه المزروعات من ورود وأزهار، كل هذا ليكون في أريحية من أمره وفي حياته وحتى يعطي كل جهده ووقته للتعليم، فلما اندلعت الحرب وعاد إلى الجزائر وجد نفسه في منصب “تافه” بإحدى الدوائر الإدارية يتعامل مع المتردية والنطيحة وما أكل السبع، لما أخبرني بذلك دهشت وشعرت بغصّة ولا زال شعوري ذاك يراودني كلما تذكرت قصته، والأعجب من هذا هو تطبّع وتقبّل الناس لتواجده في ذلك المكان على مكانة الرجل وعلمه وأدبه وفضله، ولا غرابة إن علمت أنه في الجزائر.
وهناك قارئ للقرآن الكريم سمعت أنه صار يعمل “كلوندستان” لأنه لم يجد ما يسد به رمقه.
وأنا على يقين أنه لو كان عبد الباسط عبد الصمد جزائريا لبقي في زاوية نائية يعلّم القرآن ولم عرفه العالم ولا دخل بسببه من دخل في الإسلام.
ولو كان مصطفى إسماعيل جزائريا لما عرفه إلا أهل قريته هذا إن قدّروه، لقد كان الملك فاروق ملك مصر والسودان .. الملك فاروق الذي ملأ سمع وبصر الدنيا كان يجلس في كرسي أدنى من أريكة الشيخ المقرئ مصطفى إسماعيل أو أي مقرئ آخر.
وأخبرنا الشيخ أحمد عامر (رحمه الله) في مجلس أن الإمام المراغي (رحمه الله) شيخ الأزهر كان يمشي قبل الملك في موكبه.
وفي مصر من العيب أن تقول أحمد زويل دون أن تقدّم اسمه بالدكتور، بينما في الجزائر مات عندنا قامات وهم يطمعون في دريهمات معاش يعصمهم من السؤال في آخر أعمارهم، ومات قبل فترة أحد المصلحين الذين بكاهم الإعلام وبكاهم الوطن بينما كان مسؤوله المباشر في وزارته يعدّ له “استجوابا” لأنه كان غائبا طيلة شهر .. ولم يكن للمفارقة ينعم بعطلة في المالديف أو هايتي بل كان على فراش الموت! .. وحين مات خرجوا يبكونه بدموع التماسيح!! .. وعظماؤنا لا نعرفهم حتى نفقدهم، وما ألعنها من معرفة تلك التي تكون بعد الفقد.
فقدنا اليوم الأستاذ علي بوناب وهذا الرجل وأفضاله وأعماله الخيرية لو كنا شعبا ودولة تعرف قدر الرجال لجعلناه أشهر من غيث الإماراتي، لأن بوناب صنع سعادات وليس سعادة واحدة، فكم من أرملة كفاها السؤال وكم من يتيم كفكف دمعه، وامتد نشاطه حتى إلى الشعوب الأخرى، والعمل الخيري اليوم أحد أقوى السياسات الناعمة التي تتمدد بها الدول، فكيف لو استثمرت هذه الدولة في هذا الرجل وأعماله؟! ..
لا زلت أذكر كيف أنه في بداية الوباء سجّل فيديو وكان فيه متأثراً ومريضاً جداً يترجّى أن يُسمح له بالدخول إلى الجزائر التي أغلقت حدودها في وجوه أبنائها في الخارج.
وكم آلمني أن يكون هذا حال أحد رجالنا الذين حقّ لنا الافتخار والاعتزاز بهم، كل هذا لأننا كشعب وكدولة ثقاتنا هي النكران والتنكّر، هي محاولة دفن أي طاقة وأي موهبة، فإذا نجح ذاك الذي سعينا لدفنه واستطاع بعث نفسه قلنا وتذكّرنا أنه ابن الجزائر وأنه ابن هذا الشعب، فأين كنا يوم كان يعاني الوحدة والقسوة والهجران؟،
وما زاد الطين بلة أننا انتشرت فينا ثقافة السب والتطاول وليس فقط ثقافة التنكّر، فمن ينجح منا نسعى طول حياته لتشويهه لإرضاء خمولنا وفشلنا وسلبيتنا، ونحاول إقناع أنفسنا وإقناع الناس أنه رجل سيء أو أنه مُدّع أو مزيّف، ثم إذا مات صُدمنا بالحقيقة ..
حقيقة أننا نخرّب بينما غيرنا يعمّر .. وسيظل الخير منبعثا لأن الخير مصدره الخير المطلق وهو الله سبحانه، تماما كتلك الأشجار التي نحرقها فيطفئ الله نيران أحقادنا بغيث رحمته، ويبعث اخضرارها من جديد ..
رحم الله الشيخ بوناب ورحم الله كل عظيم تنكّرنا له ..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

عن عمار رقبة الشرفي

- مجاز في القراءات العشر المتواترة من طريق الشاطبية والدرة. - مجاز في الكتب التسعة بالسند المتصل وبعدد من كتب الحديث الشريف. - شهادة تخرّج في العلوم الشّرعية والعربية من معهد بدرالدّين الحسني بدمشق. - شهادة الدّورة التّأهيليّة للدّعاة. - إجازة تخرج (ليسانس) من معهد الدّعوة الجامعي (فرع دمشق) في الدراسات الإسلاميّة والعربيّة. - ديبلوم ماجيستير في الفقه المقارن (تحقيق جزء من كتاب عيون الأدلّة - للقاضي أبي الحسن علي بن أحمد المالكي البغدادي المعروف بابن القصار (ت :398هـ - 1008م- قسم المعاملات. - مؤسس ومدير معهد اقرأ للقرآن وعلومه، باب الزوار- الجزائر العاصمة http://iqraadz.com/ - المؤسس والمشرف العام على موقع المكتبة الجزائرية الشّاملة http://www.shamela-dz.net/

شاهد أيضاً

Pour la france; par les “arabes” – الأستاذ محمد الهادي الحسني

أما “la france” فهي هذه الدولة التي منذ ابتلانا الله- عز وجل- بالالتقاء بها التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *