الرئيسية / المشرف العام / المقالات / الرجولة كما حددها القرآن – الأستاذ عمار رقبة الشرفي

الرجولة كما حددها القرآن – الأستاذ عمار رقبة الشرفي

Print Friendly, PDF & Email

الرجولة كما حدَّدها القرآن تخالف ما يسبق إلى الأذهان، وما درج وغلب على فهم بني الإنسان، فقد حدَّد القرآن للرجولة شروطها، وحدَّ لها حدَّها، وعرف لها رجالها.

فالرُّجولة في القرآن اسمٌ جامعٌ لكلِّ الشمائل، ووصف شاملٌ لكل الفضائل، ترتفع الرجولة بالعبد إلى مصافِّ الأصفياء، وترتقي به في مدارج الأولياء؛ مِن أحياء وأموات وشهداء.

ضبَط القرآن شروطها، وحدَّد لها معالمها، وحدَّثنا عن صفات أصحابها، فذكَرها ربُّنا بين دفتَي المُصحف الشريف ثلاث مرات، مقرونةً بصفات الطهر والطهارة، والصلاح والعبادة، والقتال في سبيل الله والشهادة، وذكَرها مرات أُخَر بصفة الذُّكورة.

المرَّة الأولى: ذكرها في سورة التوبة يَصف بها عباده الطاهرين المُتطهِّرين، أهل مسجد قباء، عُمار مسجد الله الذي بناه رسوله – صلى الله عليه وسلم – على أُسُس التقوى، مقابل مسجد المنافقين المؤسَّس على النفاق والشقاق: ﴿ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾ [التوبة: 108]، يَتطهرون بالماء مِن النجاسات والأقذار، كما يتطهرون من الذنوب بالتوبة والاستغفار، رجالٌ يُحبُّون الله ويُحبهم، فهمُ الرجال، وتلك صفتهم كما حددها القرآن الكريم.

المرة الثانية: التي ذكَر ربُّنا – جل جلاله – فيها الرجولة كانت بسورة النور، وصف بها عبادًا له، لا تشغلهم الشَّواغل عنه، ولا تبعدهم منه، كلما ازدادت الشواغل ازدادوا منه قربًا وله طلبًا، يَغشَون بيوتَه، يُكثرون فيها من ذكره، مساءه وصُبحَه، نهاره وليله، يُرفَع في هاته البيوت اسمُه، كلُّ ذلك بإذنه – تبارك وتعالى – الجليل في ملكه؛ ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾ [ النور: 36، 37].

رجالٌ أصحاب هِمَم وعزائم، لا تجارة تُلهيهم ولا بيع، لا تشغلهم الدنيا وزخرفها وزينتها وملاذُّها، لا بَيعها ولا ربحها؛ خوفَ يومٍ تتقلَّب فيه القلوب والأبصار، وهم يُعرَضون على الواحد القهار.

المرة الثالثة: التي وصف بها ربُّنا عباده بوصف الرجولة في سورة الأحزاب، وصفٌ لأشخاص تبوؤوا تلك المكانة “رجال”، رجالٌ صدقوا العهد، وأنجزوا الوعد، صبروا ابتغاء وجه ربِّهم في البأساء والضراء، وكانوا لعهدهم مع ربِّهم أوفياء؛ كأنس بن النضر – رضي الله عنه – وغيره، وقد غاب عن بدرٍ فقال: “لئن أراني الله – تعالى – مع رسول الله مَشهدًا فيما بعد، ليَريَنَّ الله ما أصنع”، فأراه الله يوم أحدٍ، فأوفى اللهَ بما وعده، وخرَّ صريعًا يوم أحدٍ ابتغاء وجه الله، صدَقَ اللهَ فصَدَقه، أنزل فيه الجليل قرآنًا، وجعل مثل عمله للرجولة عنوانًا: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 23].

فارتقِ للرجولة بهذه الصفات، ولا تخلد للذكورة التي تستوي في صفاتها جلُّ المخلوقات؛ فالذكورة غير الرجولة، وليس كل ذكرٍ رجلاً.

عن عمار رقبة الشرفي

- مجاز في القراءات العشر المتواترة من طريق الشاطبية والدرة. - مجاز في الكتب التسعة بالسند المتصل وبعدد من كتب الحديث الشريف. - شهادة تخرّج في العلوم الشّرعية والعربية من معهد بدرالدّين الحسني بدمشق. - شهادة الدّورة التّأهيليّة للدّعاة. - إجازة تخرج (ليسانس) من معهد الدّعوة الجامعي (فرع دمشق) في الدراسات الإسلاميّة والعربيّة. - ديبلوم ماجيستير في الفقه المقارن (تحقيق جزء من كتاب عيون الأدلّة - للقاضي أبي الحسن علي بن أحمد المالكي البغدادي المعروف بابن القصار (ت :398هـ - 1008م- قسم المعاملات. - مؤسس ومدير معهد اقرأ للقرآن وعلومه، باب الزوار- الجزائر العاصمةhttp://iqraadz.com/ - المؤسس والمشرف العام على موقع المكتبة الجزائرية الشّاملة http://www.shamela-dz.net/ - خطيب مسجد مصعب بن عمير – باب الزوار- الجزائر

شاهد أيضاً

ما جمعته يد الله لا تفرقه يد الشيطان – الإمام عبد الحميد بن باديس

إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمع بينهم الإسلام منذ بضع عشرة قرنا، ثم دأبت تلك القرون تمزج ما بينهم في الشدة والرخاء، وتؤلف بينهم في العسر واليسر، وتوحدهم في السراء والضراء، حتى كونت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصراً مسلما جزائرياً، أمه الجزائر وأبوه الإسلام.

تعليق واحد

  1. جزاك الله خيرا شيخنا على الإفادة ..

    نسأل الله ان ينفعنا بما علَّمنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *