الرئيسية / تراجم أعلام الجزائر / أعلام جزائرية راحلة / ترجمة مختصرة للمفكر الجزائري الدكتور سعيد عيادي- الأستاذ:عبد القادر عزام عوادي

ترجمة مختصرة للمفكر الجزائري الدكتور سعيد عيادي- الأستاذ:عبد القادر عزام عوادي

Print Friendly, PDF & Email

ولد الدكتور يوم 3 فيفري 1964 بسطيف وأصوله من ولاية ميلة منطقة فرجيوة.

وأما أصول أسرته الأولى من ولاية برج بوعريريج، واستقر بالعاصمة منشأه ومرتع صباه، ثم بعد ذلك أصبح له مسكن وظيفي بولاية البليدة بعد أن أصبح أستاذاً بجامعة البليدة 2.

والدكتور عيادي متزوج وأب لأربعة أولاد ” بنتان وذكران”.

تحصل الدكتور عيادي على الماجستير سنة 1991 من جامعة الجزائر، معهد علم الاجتماع في تلك الفترة، وكانت الدراسة تحت إشراف الدكتور علي مزيغي كمال، وهي دراسة تحت عنوان ” التنشئة السياسية بين المدرسة والبيئة الثقافية : دراسة سوسيولوجية في التفكيرالسياسي لطلاب الاقسام الثانوية النهائية في الجزائر  “.

وبعد حوالي عشرة سنوات، وبالضبط سنة 2002 تحصل الدكتور سعيد عيادي على شهادة الدكتوراه من جامعة الجزائر، حول موضوع جديد تحت عنوان ” مكانة مشروع التقدم في الفكر الإصلاحي لبديع الزمان النورسي 1873-1960-دراسة سوسيولوجية تحليلية للفكر و للمنهج في كليات رسائل النور”.

كما سافر الدكتور عيادي منتصف التسعينيات نحو ألمانيا، حيث التحق بقسم الدراسات العليا بجامعة فرانكفورت، والذي ساعده في ذلك الدكتور مارفيز فينال، المختص في دراسة الانثربولوجيا الحضرية، حيث مكنت اتصالاته المتقدمة معه في تهيئة ظروف البحث وإكمال الدراسات العليا هناك.

إلا أن المقادير أسبق فلم يمكث إلا مدة سنة ونصف ليعود إلى الجزائر بسبب وفاة والده حيث دعته ضرورة الإشراف على تسيير جنازته، مما حال دون رجوعه إلى ألمانيا بسبب عدم توفر بطاقة الخدمة الوطنية.

بالإضافة إلى لغته العربية المتينة والسليمة والطليقة يجيد الدكتور عيادي عدة لغات أجنبية مثل الفرنسية والانجليزية والألمانية والروسية وعدة لغات.

وفي كثير من الأحيان تلتجأ اليه الجامعة وبعض المؤسسات من أجل الترجمة والاستعانة به في هذه الجوانب.

ولقد كان منذ شبابه واسع المطالعة والاطلاع والبحث، فلقد كتب المفكر والباحث في فكر بديع الزمان سعيد النورسي المفكر إحسان قاسم الصالحي في كتابه ” رحلتي مع رسائل النور” ما يلي:

“… أما في الجزائر فأول من انتبه إلى رسائل الأستاذ النورسي هو الأخ ” سعيد عيادي” كان دائم المراسلة معنا منذ الثمانينات وكنا نرسل إليه مطبوعاتنا وينشر منها هناك في جريدة يومية”.

وهذه الشهادة تدل على أن الأستاذ عيادي منذ بدايته العلمية كان مهتما وقارئا ومراسلا ومتابعا للشؤون الثقافية والفكرية في الجزائر والعالم العربي والإسلامي بشكل عام، وهو ما لمسناه ويلمسه فيه كل من عرفه أو سمعه أو قرأ له.

فكان المدافع النوعي بعلمه وفكره ورؤيته النقدية الرزينة لكل مقومات المجتمع الجزائري وأصوله وهويته، وكان لا يتسامح أبداً في المساس بهذه المسلمات ويصدح بكلمة الحق ويذكر بالأسماء والمسميات وبالأدلة لكل من تسول له نفسه في تجريح الامة أو التعرض لها، وهو الأمر الذي جعله يلقى الكثير من الأزمات في مساره العملي والعلمي وحتى الخاص.

صفاته:

لا أستطيع أن أجمل صفات المفكر عيادي ولكن الصفات التي سوف أذكرها هي من وحي معايشتي المتواضعه معه ومجالساتي القليلة في حضرته.

1 – الشمولية: كان رحمه الله، موسوعة علمية متنقلة، حتى أنني وبعض الزملاء كنا نصفه بـ: ” google” نظرا لمدى شساعة معلوماته وذاكرته الحديدية التي كل ما لمستها أو حركاته أفاضت عليك بجود معلومات ونوعية معارفها، فكان رحمه الله موسوعي المعرفة كأنك تجالس أحد علماء القرون الذهبية للعصر الإسلامي لمن نقرأ ترجماتهم اليوم ونحن نتعجب لقوة حفظهم وذاكرتهم.

2 – حب القراءة: من الأشياء التي يتميز بها المفكر عيادي رحمه الله كثرة القراءة والمطالعة، فكان كأنه آلة تلتهم الكتب التهاما، أتذكر في أحد الأيام عندما زارنا في ولاية الوادي أهديت له كتاب حول اليزابيث ابرهاردت، وعندما التقيت به من الغد أعطاني ملخصا مفصلا حول الكتاب مع قراءة نقدية له ولما يحتويه ولبعض الألفاظ في الترجمة، فسألت زميله في الغرفة تلك الليلة وهو صديقه الدائم عبد الرزاق جلولي فقال لي لقد أكمله كله ليلة البارحة.

فأدركت أن تلك الموسوعة التي تتحرك إنما هي بفضل ذلك الحب الدائم للقراءة والمطالعة المستمرة.

3 – شراء الكتب: أفضل هدية للدكتور عيادي هي الكتاب، فلقد كان مهووسا بعالم الكتاب والمؤلفات والإصدارات الجديدة والقديمة خاصة، فكان من بين برامجه الأسبوعية التي لا يتغيب عنها هي زيارة سوق الحراش حيث يتم بيع الكتب القديمة والمستعملة.

وكان دائما ما يشتري عشرات الكتب من تلك الأسواق، وأذكر  أنه في أحد الحصص الإذاعية قال كلمة محزنة ” إن تراث الجزائر وتاريخها يباع على الأرصفة” ويقصد هنا مكنونات التراث الجزائري القديم يباع في الأسواق الشعبية على الأرصفة.

كما أتذكر في أحد المرات أثناء لقائنا بولاية باتنة كان يترجى من المنظمين للندوة أن لا يبقى ليوم الجمعة، لأنه يوم سوق الحراش حيث يجب الذهاب للسوق من أجل الاطلاع عن الكتب الموجودة وشراء ما يراه مفيدا.

وكم من كتب اشتراها الدكتور عيادي وأدخلها في عقله قبل رفوف مكتباته.

4 – الإنصات: من الأشياء التي يتميز بها الدكتور عيادي رحمه الله الاستماع الجيد والإنصات الشديد أثناء إلقاء المحاضرات أو الاستماع للآخر، فكان حريصا على احترام المتكلم مهما كانت صفته ومكانته العلمية.

5 – التدوين: كان الدكتور عيادي رحمه الله يدون كل صغيرة وكبيرة تمر عليه أو يسمعها، وكان يدون كلام المحاضرين الذين يستمع إليهم حتى ولو كانوا أقل منه معرفة ومرتبة، ويدون أسئلة الجمهور حتى من أبسط العوام، فكان رحمه الله حريصا على كتابة كل ما يسمعه.

6 – التواضع: سمة أهل العلم والفكر هي التواضع، ولقد كان رحمه الله رجلا متواضعا حتى أنك تنكر عليه صفة العالم أو الباحث عندما تراه بتلك الدرجة العظيمة من التواضع والبساطة سواء في اللباس أو الهيئة أو الكلام وغيرها.

وعندما يتكلم أمامه الإنسان العامي تراه يستمع إليه كأنه يستمع إلى شخص عالم أو مفكر ويتناقش معه ويتبادل معه الحوار وكأنه رفقة شخص في مرتبته، فكان رحمه الله شديد التواضع، فهو كما قال الشاعر :

ترى الرجل النحيف فتزدريه **وفي أثوابه أسدٌ هصورُ

وكما قال الشاعر:

ملأى السنابل تنحني بتواضع ** والفارغات رؤوسهن شوامخ

هذه بعض من صفات المرحوم وصفاته عديدة لا أستطيع حصرها في كلمات قليلة، وأيضا كان شديد الحرص على تقديم المعرفة والمساعدة سواء لأبناء أمته من خلال مشاركاته العديدة في الملتقيات والندوات والجلسات فكان يطوف أرجاء الوطن ويلبي الدعوات كلما سمحت له الفرصة بذلك بدون أن يتردد أبدأ.

ولعل من أبرز المسؤوليات والأعمال التي تقلدها المرحوم واستطعت أن أجملها واجدها هي:

أستاذ محاضر في جامعة البليدة 2 – تخصص علم اجتماع المعرفة.

عضو اللجنة الوطنية لمناهج التعليم التحضري

صحفي متعاون مع عديد الصحف الوطنية

مدير فرقتي بحث في جامعة البليدة

مدير فرقة بحث جامعة سطيف

رئيس دائرة النشاطات الثقافية لولاية الجزائر 2001-2007

منتج اعلامي لمؤسسة البراق

انتج برنامجين لقناة القرآن الكريم وهما:

01- حصة قالوا عن رسول الله

02- حصة معجم العلماء ومنجم الحكماء.

عضو باحث مشارك في مركز الثقافة والعلوم بتركيا

رئيس مجلة الحكمة الخاصة بالدراسات الاجتماعية

عميد سابق لكلية الآداب واللغة والعلوم الاجتماعية

أشرف على عدة رسائل علمية أكاديمية  من دكتوراه وماجستير

وهناك عدد من الأنشطة العلمية والمسؤوليات التي تقلدها المرحوم ولكن مازلت لم أتحصل عليها ولكن بحول الله في انتظار كتابة سيرة كاملة متكاملة للدكتور.

ومن الأشياء التي تميز بها المرحوم عيادي هو اهتمامه بميدان الإعلام والمؤسسة الإعلامية، التي كان يرى فيها همزة وصل للجمهور العامي، ولمتعطشي الفكر والمعرفة في الجزائر قاطبة.

ولذلك تعاقد مع الإذاعة الوطنية ممثلة في الإذاعة الثقافية الجزائرية وقام بإعداد جملة من البرامج الفكرية التي سوف تبقى خالدة في ذاكرة كل جزائري تابع تلك الحصص العميقة في فكرها والكثيفة في كم معارفها والماتعة في أسلوب مقدمها.

وهذه البرامج هي:

1 منبر الأفكار

2 حواضرنا الثقافية

3 أهل الفكر

4 عود على فكر

وككل باحث ومفكر يترك تراث للأجيال القادمة، ترك المرحوم عيادي عدة مؤلفات هامة وعميقة في طرحها، ودراسات جادة من حيث طبيعة مواضيعها، وهي مواضيع ظلت تشغله طوال حياته وحتى مماته.

ومن بين المؤلفات حصدت 10 مؤلفات وهناك عدة مؤلفات أخرى سنحاول جمعها ونشرها بحول الله.

1 – آليات البناء الحضاري للإنسان والمجتمع

2 – التنشئة السياسية بين المدرسة والبيئة الثقافية : دراسة سوسيولوجية في التفكيرالسياسي لطلاب الأقسام الثانوية النهائية في الجزائر.

3 – موقع تلمسان في تاريخ المدارس الفكرية في العالمين العربي والإسلامي

4 – ترصيص القواعد الثقافية لإعادة البناء الحضاري.

5 – أثريات المسألة اللغوية في الجزائر

6 – موسوعة العلماء والأدباء الجزائريين

7 – تاريخ علم الاجتماع واتجاهاته في الجزائر

8 – البراديغم الإسلامي وإعادة البناء الحضاري

9 – مخطط احتلال الجزائر من مشروع بواسونيي الى مشروع قسنطينة

10 – الخريطة الاستكشافية الفرنسية بالجزائر الصادرة 1865.

من الأشياء المؤسفة أن الدكتور عيادي رحمه الله واجه العديد من المشاكل في مشواره العلمي والفكري، ولم يكن مرتاحا أبدا في بلده الذي لا يعطي قيمة للعالم والمفكر، وكان متأزما في صمت، ويتعذب في سر، وربما لم يكن يتألم لما يقع عليه من تعسف بقدر ما كان يتألم للواقع الذي  تمر به الأمة الجزائرية.

وكان كلما اتصلت به يؤكد على توعية المجتمع وعلى إقامة الندوات الفكرية والدراسات الاجتماعية لتعرية الواقع الذي ينذر بكوارث في الجزائر، فكان رحمه الله يشعر بكل ذلك الألم بضمت ويحارب من طرف أعداء الفكر ومن طرف المشاريع الفرنكفونية في الجزائر التي كان يحاربها الدكتور ويعريها في جميع ندواته وجلساته.

فكان يدافع بكل قوة عن مقومات الهوية في الجزائر، يدافع عن الإسلام وعن العربية وعن الهوية الوطنية بكل مقوماته التاريخية والعقدية وشخصيات وأعلام الجزائر، ويعرف بالمؤسسات والتراث الضخم الذي تحويه هذ الأمة عبر ماضيها القديم والحديث والمعاصر.

كل هذه الظروف والعوامل جعلته يعيش أزمات صحية متعددة أقعدته في الكثير من المرات عن الحركة، ولعل من أبرز تلك الحالات الصحية الصعبة أصابته على مستوى العين، ويقول هو في ذلك برسالة أرسلها الي يقول فيها ما يلي ” حيث كنت أتنقل إلى بشار دوريا من أجل العلاج في مستشفى طب العيون الذي تديره بعثة التعاون الصحية الكوبية في بشار، بعد أن تعرضت للإصابة بمرض الزرق المغلق في عيني اليمنى”.

ليفقد الدكتور عيادي رحمه الله الرؤية تماما من عينه اليمنى، وعلى الرغم من كل ذلك ظل يصارع من أجل نشر الثقافة وتكوين الأفراد في الجزائر لكي يجابهوا المشاريع التغربيية والمشاريع التخريبية في الجزائر.

ولقد قام بدور كبير في هذه المجالات، وكان حاضرا بقوة في الحراك الشعبي الجزائري مؤخرا، وظهر كثيرا في وسائل الإعلام من أجل ترشيد المجتمع الجزائري وتنبيهه لما يحصل وفق نظرة علمية دقيقة وقراءة نقدية للوضع الجزائري بعين بصيرة ورشيدة.

ليغادرنا الدكتور ونحن في أمس الحاجة له ولأمثاله من المخلصين من أبناء هذا الوطن البررة .

وبالرغم من كل العروض التي كانت تأتيه من عدة دول ومراكز بحث عالمية، إلا أنه كان دائما يقول لا أستطيع أن أذهب وأترك أبناء هذا البلد يهيمون على وجوههم في هذا الهرج العظيم، ولا أستطيع الذهاب لدول تأخذ أسرارنا لتخدم مصالحها.

فرحمة الله الواسعة على الدكتور سعيد عيادي الرجل المخلص والعالم الفاضل الذي سوف يبقى أثره شاهدا على فضله علينا وعلى الجزائر قاطبة.

عن عمار رقبة الشرفي

- مجاز في القراءات العشر المتواترة من طريق الشاطبية والدرة. - مجاز في الكتب التسعة بالسند المتصل وبعدد من كتب الحديث الشريف. - شهادة تخرّج في العلوم الشّرعية والعربية من معهد بدرالدّين الحسني بدمشق. - شهادة الدّورة التّأهيليّة للدّعاة. - إجازة تخرج (ليسانس) من معهد الدّعوة الجامعي (فرع دمشق) في الدراسات الإسلاميّة والعربيّة. - ديبلوم ماجيستير في الفقه المقارن (تحقيق جزء من كتاب عيون الأدلّة - للقاضي أبي الحسن علي بن أحمد المالكي البغدادي المعروف بابن القصار (ت :398هـ - 1008م- قسم المعاملات. - مؤسس ومدير معهد اقرأ للقرآن وعلومه، باب الزوار- الجزائر العاصمة http://iqraadz.com/ - المؤسس والمشرف العام على موقع المكتبة الجزائرية الشّاملة http://www.shamela-dz.net/

شاهد أيضاً

سِي محمد المكي… الدكتور عبد العزيز بن سايب

ما أن وَطِئَتْ قدماي مدينة المشرية لأول مرة حتى سَألتُ عن علمائها وأهل الفضل فيها …

2 تعليقان

  1. رحمه الله رحمة واسعة وبوأه منازل الشهداء في دار المقام

  2. رحمه الله..
    ثلمت الجزائر ثلمة لا يسدها الا مثله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *