الرئيسية / مقالات و دراسات / مقالات جزائرية / حَمى الله الحرمين… وما بيْنَ.. بَيْن ! – الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

حَمى الله الحرمين… وما بيْنَ.. بَيْن ! – الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

Print Friendly, PDF & Email

كانت قلوب المسلمين ولا تزال مشدودة إلى الأرض الطاهرة، أرض الحرمين الشريفين أداء لمناسك العمرة والحج، يأتونها من كل صوب وفج.
ولكن، ها هي ذي، أعين الناس جميعا ممدودة إلى أرض الحرمين، لا أداء للحج والعمرة، ولكن متابعة لأخبار الغليان والثورة.
فبعد الانتهاء من الطواف والسعي، والزيارة، والنفير، شدّت أنظار الناس أخبار الرياض، والدمام، والظهران وعسير، فما سرّ هذا التغيير، وما علة هذا الاهتمام الكبير، وما توحي به هذه المناطق من إجراء خطير؟
ماذا دهى أرض الجزيرة، فأراد العودة بها، إلى عهد أبرهة، والراهب بحيرة؟
إنّ السر يكمن في كون أرض الحرمين هي موطن البيت، ومنبع الزيت، فالأول تهوي إليه الأفئدة والقلوب، والثاني تنجذب إليه، المصالح والجيوب.
لقد كان عهدنا ببلاد الحرمين، أنها مضرب المثل في استقرار الدار، ومسالمة الجار، وتقديم القدوة الإسلامية للمؤمنين والكفار بتطبيق أحسن الآثار.
غير أننا اكتشفنا أخيرا، أنّ في الدار إخوة متشاكسين، وحول البيت أمراء ووزراء مفسدين، وما بين هؤلاء وأولئك علماء معتقلين، وآخرين محرضين مغرضين، ولله في خلقه شؤون.
فأي شيطان أكبر، مسكون بالورق الأخضر، حلَّ ببلاد الحرمين، فأصاب بالمس ناسها، وعكّر أنفاسها، وقلَب رأسها وأساسها؟
وأيّ جنّ يهودي أزرق، معبوده الذهب الأصفر، دبَّ داخل الإخوة والأقارب، فزرع بينهم الأفاعي والعقارب، وها هم مشتتين بين هارب ومحارب وموارب؟ هل ما يحدث اليوم، في أرض الحرمين، يعود أمره إلى خلاف عقائدي، أعيى العلماء داؤه، فانقسموا شيعا، وطوائف، وأحزابا، يكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضا، أم هو عامل اقتصادي، بسبب تكديس المال الكثيف، وحجبه عن التصريف، وجعله بين أيدي، الماجن، والفاسد، والدخيل والسخيف؟
نعتقد أنّ مجموعة من العوامل تظافرت كلها، لتؤول إلى ما آلت إليه من الانفجار الذي أودى بالاستقرار، وها هو ينذر بمخاطر الانتحار، والاندحار؟
إنّ من أهمّ أعراض هذا الانفجار، التعصب الديني الأعمى، الذي استبد ببعض شباب وعلماء الأمة، فأصبح ديدنهم التكفير، والكفر بالعشير، وعدم قبول الاختلاف حتى اليسير.
كما أنّ من الأعراض الفتاكة التي عجّلت بهذا الانفجار، غلق الأبواب، وفتح النوافذ أمام التيارات الوافدة، وعدم تحصين الإنسان، ضد داء فقد المناعة الأيديولوجي، والعقائدي، والسياسي.
ثالث الأعراض، التمكين للطبقية الاجتماعية داخل المجتمع، فصار المجتمع منقسما إلى مجتمع الكفيل، ومجتمع المكفول، مما أحدث التناقض بين الذهنيتين، والجنسيتين، والطبقتين، مع ما في ذلك من هضم لأبسط الحقوق، والتشجيع على التمرد والعقوق.
رابع “الأثافي”، عدم التسليم بما أصبح، حقا مشاعا، في كل أنحاء العالم، وهو الحق في الانتخاب الحر، لتعيين المجالس الممثلة، لكل الفئات الاجتماعية، لإسماع صوتها عبر قنوات ودوائر القرار، للمشاركة في تسيير البلاد، وإنصاف العباد.
إنّ هذه العيّنات من أعراض الاحتقان التي تنخر جسم الكثير من البلاد الإسلامية ومنها بلاد الحرمين، هي التي عجّلت بما نشاهده على شاشة المسرح السعودي، والذي إن لم يتولّ علاجه عقلاء القوم، يكون له أثر شديد، ووخيم.
وما هو الحل إذن؟ وكيف يمكن، لداء ظل زمنا طويلا ينخر كيان الأمة، أن يجد الحل الناجع للقضاء على أصل الداء، وتقديم الفعّال من الدواء.
إنّ الحل من وجهة نظرنا – وأهل مكة أدرى بمشاكلها- يكمن في العودة إلى أهل الحل والعقد. فالعلماء، الأصلاء، النبلاء، هم الأحق، بإيجاد الحل الناجع والنافع، والمقصود بالعلماء، هم ذوو الكفاءة العلمية والمصداقية الخُلقية، والاستقلالية الفكرية، الذين يجهرون بالحق، ويعملون به، فلا تأخذهم في الحق لومة لائم، وينبغي أن يؤخذ برأيهم ولو كان مرّاً علــــقما.


عِداي لهم فضل عليّ ومنة
فلا أبعد الرحمن عني الأعاديا
هم كشفوا، عن زلتي، فاجتنبتها
وهم نافسوني، فاكتسبت المعاليا


على أنّ هذه الحلول كلها، تبدأ بإصلاح ذات البين، فلابد من رأب الصدع، وتحقيق النفع، والقضاء على كل أنواع الوجع داخليا، وإقليميا، وإسلاميا.
ففي عهد التحالفات، والتكتلات، والمعاهدات العالمية، يبدو العالم الإسلامي بقيادة بلد الحرمين أحق بالحفاظ على اللحمة الإسلامية، عملا بالتعاليم القرآنية: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً…﴾ [سورة الأنبياء – الآية: 92].

كما يجب فك أي ارتباط مع أعداء الأمة، الذين يلوحون بالتطبيع، والتمييع، والتضييع، فذلك كله سراب لن ينجم عنه إلا الخراب.
ونذكّر خادم الحرمين الشريفين، بقوله تعالى في حقه وحق أمثاله ممن يتقلدون مسؤولية الأمة: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ. إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۖ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة الجاثية – الآية: 18، 19].


نصحت ونحن مختلفون دارا
ولكن كلنا في الهم شرق
وحمى الله الحرمين بدءا وختاما.

عن عمار رقبة الشرفي

- مجاز في القراءات العشر المتواترة من طريق الشاطبية والدرة. - مجاز في الكتب التسعة بالسند المتصل وبعدد من كتب الحديث الشريف. - شهادة تخرّج في العلوم الشّرعية والعربية من معهد بدرالدّين الحسني بدمشق. - شهادة الدّورة التّأهيليّة للدّعاة. - إجازة تخرج (ليسانس) من معهد الدّعوة الجامعي (فرع دمشق) في الدراسات الإسلاميّة والعربيّة. - ديبلوم ماجيستير في الفقه المقارن (تحقيق جزء من كتاب عيون الأدلّة - للقاضي أبي الحسن علي بن أحمد المالكي البغدادي المعروف بابن القصار (ت :398هـ - 1008م- قسم المعاملات. - مؤسس ومدير معهد اقرأ للقرآن وعلومه، باب الزوار- الجزائر العاصمةhttp://iqraadz.com/ - المؤسس والمشرف العام على موقع المكتبة الجزائرية الشّاملة http://www.shamela-dz.net/ - خطيب مسجد مصعب بن عمير – باب الزوار- الجزائر

شاهد أيضاً

ما جمعته يد الله لا تفرقه يد الشيطان – الإمام عبد الحميد بن باديس

إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمع بينهم الإسلام منذ بضع عشرة قرنا، ثم دأبت تلك القرون تمزج ما بينهم في الشدة والرخاء، وتؤلف بينهم في العسر واليسر، وتوحدهم في السراء والضراء، حتى كونت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصراً مسلما جزائرياً، أمه الجزائر وأبوه الإسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *