الرئيسية / مقالات و دراسات / دراسات جزائرية / الدكتور أبو القاسم سعد الله فارس العلم والقلم ورائد المدرسة التاريحية الجزائرية – الدكتور أحمد بن السايح

الدكتور أبو القاسم سعد الله فارس العلم والقلم ورائد المدرسة التاريحية الجزائرية – الدكتور أحمد بن السايح

Print Friendly, PDF & Email

انت الساعة الرابعة وأربع وأربعين دقيقة من مساء يوم السبت 14/ 12/ 2013 عندما هاتفني صديقي الأستاذ الدكتور مسعود فلوسي، قال لي: «هل علمت آخر الأخبار؟!!..»، قلت على الفور: «لا»، واستيقنْتُ قبل أن يكمل الخبر أن الأمر جلل ـ قال لي: «الدكتور سعد الله توفي إلى رحمة الله».. فكان الخبر الفاجع الذي زلزلني وهزني من الداخل، والأستاذ الدكتور مسعود فلوسي من القلائل الذين يعرفون عمق الرابطة والصلة الوثيقة التي ربطتني بالفقيد الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله..َوَدَّعْتُ الدكتور فلوسي، وبقيت وَاجِمًا مستغفرًا مترحمًا على هذا الرجل الفذ الذي أخلص للعلم وألزم نفسه بالمناضَلة الشريفة في مجال البحث العلمي ومتابعة الشأن الثقافي بوساطة جهوده المخلصة واهتماماته التي ركزت على إحياء التراث والتاريخ الجزائريين وتخليصهما من منظور المدرسة الكولونيالية.

العلم والبحث العلمي كانا شغله الشاغل

كان المشروع العلمي الضخم، الذي تحمله فقيدنا المرحوم الدكتور أبو القاسم سعد الله ـ مما لا يتصدى له إلا الفحول من العلماء، ولا يصبر ويصابر على مشاقه والمعاناة في سبيله إلا أولئك الذين تشهد أعمالهم الخالدة على ما بذلوه في سبيل نشر العلم وترقية المعرفة بَلْهَ الإضافات المبدعة.

ومن ثمة كان العلم هو شغله الشاغل، وكانت الدراسات الأكاديمية هي التي ارتضاها لنفسه عن قناعة وطواعية واختيار، وكان يردِّدُ دائمًا عبارته الذهبية: «… مشاريعي العلمية أكبر من عمري». وكان عليه رحمة الله كالنحلة الذكية التي أوحى لها ربك لتؤدي وظيفتها وفق الناموس المسطر لها متنقلة بين أنفع الأشجار وأفيد الأزهار، وكانت رحلاته ومحطاته بين أشهر المكتبات، وما فيها من نفائس المجاميع والمخطوطات، وكانت أجمل لحظات سعادته تلك التي يقضيها قارئا ومُدَوِّنًا ومقابلا بين النصوص ومُقَارِنًا بين المصادر والمراجع المتنوعة التي يعرف وحده كيف يغربلها وينخلها بمنهجه الصارم وطرائقه العلمية الدقيقة الموشحة بشروحاته وتعليقاته الثرية وملاحظاته القيمة التي يتدفق بها صلب قلمه، وهي بمثابة الشراب المختلف ألوانه يتشكل منها صميم العلم وجرثومته.

كان البروفيسور سعد الله مُبرمِجًا لأعماله، وكانت رزنامته الفكرية والعلمية ـ اليومية أَوْ على المدى الطويل ـ مزدحمة بكثرة الأعمال وتراكم المشاريع؛ والغريب أن مشاريعه لم تكن مقتصرة على اختصاص واحد يتعلق بالتاريخ كما قد يتبادر إلى كثير من الأذهان؛ وأعماله في الواقع قد يتغلب عليها التاريخ إلى حَدٍّ ما، ولكن مشاريعه بشكل عام لا تصب كلها في مجال التاريخ.

مسار حافل

بدأ سعد الله حياته إعلاميا، مراسلا من تونس في جريدة (البصائر) التي كانت تصدرها جمعية العلماء، وفي غيرها من جرائد تونس، وكان في خواتيم الأربعينيات ومطالع الخمسينيات من القرن الآفل شاعرًا شابًّا مُغَرِّدًا في آفاق الوطنية المكبلة من طرف الآسر المحتل، كما كان قَاصًّا مُبْدِعًا وصاحب خواطر رائعة نشرها هنا وهناك في جرائد الجزائر وتونس ومجلة (الآداب) البيروتية، وكان مُتَابِعا ومُطلِعا على ينابيع الثقافة المشرقية، وظل على تلك الحال قارِئًا نهمًا يطالع كل ما يقع في يده من كتب ومجلات وجرائد ومطبوعات.

انتفع الدكتور بذهابه إلى تونس بكل ما كان يُنْشَرُ هناك من ثقافة متنوعة، وعلى الرغم من كثرة المواد التي كانت مقررة على طلبة الزيتونة يومذاك إلا أن فقيدنا ـ عليه رحمة الله ـ كان فَرَادَة بين أقرانه ولَدَّاتِهِ وظاهرة علمية تَنْمَازُ عن غيرها، وبذلك استطاع أن يُوَفِّقَ بين مهمة الطلب والتحصيل والازدراد من الكتب الخارجة عن المقرر، وقد كان لكل تلك الكتب التي كانت تستهويه وتأخذ بمجامع قلبه الأثر البالغ في تكوينه وتحصيله اللغوي وصقل مواهبه في مجال الشعر والفن القصصي.

وفي تونس نجح في نشر تجاربه القصصية وأشعاره الأولى وخواطره المبدعة في جريدتي: (النهضة) و(الأسبوع) وهو دون العشرين، وفي تونس ـ أيضا ـ تعرَّف على أدب المشرق وتابع باهتمام وانتظام ما كانت تنشره: (الآداب) اللبنانية و(أبوللو) و(الرسالة) المصريتان وغيرهما من المجلات الأدبية التي لم تكن تصل إلى الجزائر، وكان مساره في هذا الاتجاه الجديد مُوَفَّقًا، بل كان بمثابة الفتح العلمي الجديد الذي جمع بين الاطلاع والنشر.

والواقع أن انطلاقته ـ الإيجابية ـ وجراءته على النشر ومساهمته في الحياة الأدبية كانت من الحوافز التي جعلت طموحات الشاب سعد الله في محلها، وكسرت مخاوفه النفسية، وفسحت أمامه أبواب العلم وما فيه من تحديات وعراك فكري ونقاشات فيها الانتقاد والاختلاف الذي تمليه سلطة المذاهب الأدبية والمدارس الاجتماعية والفلسفية، بَلْهَ ما تفرضه هيمنة التيارات السياسية.

ومن جهوده في تلك الأثناء إسهامه بمعية زمرة من زملائه وصحبه المبدعين في تأسيس (رابطة القلم الجديد) التي اتُّفِقَ على تسميتها والانضمام إليها، و(رابطة القلم الجديد) جمعية أدبية غير معتمدة من أية جهة رسمية، واعتمادها الوحيد هو اتفاق أصحابها ومؤسسيها على تسميتها بهذا الاسم؛ وهي قائمة فيما بينهم فقط، وقد نشر بعضهم باسمها محاولاتهم الأولى، وهي تتألف من تونسيين وجزائريين، وكان أبرزهم هو صاحبنا الشاب أبو القاسم سعد الله الذي ظل أكثر التزاما بـ: (رابطة القلم الجديد).

والملاحظ أن (رابطة القلم الجديد) كانت تفتقر إلى منبر يجمع شتاتها، ويتولى نشر إسهامات أعضائها الذين راح كل واحد منهم ينشر نتاجه الأدبي في أية جريدة أو مجلة تتاح له فيها فرصة النشر. وتبقى (رابطة القلم الجديد) رابطة قائمة بوساطة الاتفاق بين أعضائها، ولا يكاد يُعْرَفُ لها وجود في واقع الناس، فهي رابطة اقتصرت على مؤسسيها وحدهم.

وبعد ذهابه إلى دار العلوم بالقاهرة تفتقت مواهبه الإبداعية وراحت تشق طريقها نحو عالم النشر. وبالموازاة مع دراسته في دار العلوم استطاع هذا الشاب الذي جاء إلى القاهرة ـ بطريقة فيها الكثير من المغامرة والمخاطرة ـ أن يجمع بين الحسنيين، فكان جادًّا في دراسته، الأول في الترتيب دائما، متفهما لوضعه وكيف وَصَلَ إلى القاهرة بقليل من الزاد، وكيف غامر بالمجيئ متحديا كل المخاوف وأسباب اليأس التي كادت تقضي على طموحه المتفائل، وتدفن آماله العراض في الالتحاق بركب العلم والعلماء، وكان فقيدنا ـ طيب الله بالرحمات ثراه ـ يعلم أن وجوده في أرض الكنانة معجزة وهو الغريب الذي لم يكن يملك قوت يومه، كما لم يكن يعلم أين يولي وجهه وسط العاصمة المصرية التي تعج بالألوف المؤلفة من أمثاله الذين كانوا يتوافدون عليها من كل فج عميق، ليجد كل واحد منهم ضالته المتطلع إليها، ومقصده الذي جاء من أجله.

وفي دار العلوم التي تحققت طموحاته بالانتساب إليها، وجد نخبة من العلماء المحققين الذين أخذ عنهم أصول العلم وحقائق المعرفة، وكان نعم الطالب الوارث لعلمهم الغزير، فقد كان من أساتذته في دار العلوم المحقق الكبير الأستاذ عبد السلام محمد هارون والأستاذ الدكتور سامي الدهان والأستاذ الدكتور عمر الدسوقي.. وغير هؤلاء. وفي تلك المرحلة تابع أخبار النخبة المثقفة في مصر من خلال كثرة مطالعاته وشغفه بالأدب الذي هيمن على عقله، وشغل وقته بالإدمان والاستزادة من لذة القراءات المتواصلة التي جعلت منه فيما بعد سعد الله العالم المحقق وشيخ المؤرخين والباحث الأكاديمي الموسوعي.

وفي مصر شدته أيضا الحياة الفكرية وما كان فيها من جدل واختلاف بين أساطين العلم وجهابذة المفكرين، وهناك تعرف على حقيقة الواقع الثقافي وما كان فيه من مشاهد متباينة، وأدرك بوعيه الغض أبعاد رسالة المثقف ومواقفه الفكرية وما يترتب عليها من انتماء وتحديد اتجاهات، ومجابهة سلطة التفكير الموجَّه، والعض بالنواجذ على الاستمساك بحق حرية الرأي والتعبير، والتضحية في سبيل الذود عنهما وحمايتهما.

وبالرغم من الظروف العسيرة التي التحق فيها بدار العلوم، فقد كان من أنشط الطلبة وأقدرهم على الإبداع والكتابة، وكان يحرص على تنظيم وقته وبرمجة نشاطاته التي لم يكن يحيد عنها يمنة أو يسرة بفضل انضباطه الدقيق والتزامه بالعمل الجاد.

صلات وثيقة برموز الفكر والأدب

وإذا كانت إسهاماته الأدبية وما تميزت به من تنوع وإبداع قد سجلت حضورها بشكل لافت في المشهد الثقافي، فقد تعرف من جهة أخرى على نخبة من رموز الأدب والثقافة وانجذب إليهم بمواهبه وطموحاته، وانجذبوا ـ بدورهم ـ إليه ليكون إضافة جديدة تدعم تطلعاتهم، وتضفي المزيد من المصداقية على مذهبهم الأدبي الجديد الثائر على القديم، وكان من ألمع الأسماء التي تعرف عليها الشاعر صلاح عبد الصبور والشاعر فاروق شوشة والشاعر أحمد عبد المعطي حجازي وعبد الرحمن الخميسي ويوسف السباعي ورجاء النقاش ومحمود أمين العالم ومحمد الفيتوري وعبد الرحمن الشرقاوي.

وبانضمام الأديب الشاب أبو القاسم سعد الله إلى هذه النخبة من أعلام الشعر الحديث في مصر، رمى وراءه ظهريا أوهام (رابطة القلم الجديد) التي كانت تمثل مرحلة محدودة ومؤقتة انتهت وانفرط عقد جماعتها بانسحاب الأستاذ سعد الله منها، فقد كان عمود خيمتها والأكثر نشرًا باسمها.

والحقيقة أن (رابطة القلم الجديد) كانت قائمة على التوهم الذي اضطر أعضاءها إلى الإعلان عن إنشائها، وهي التي كانت تفتقر لكل المقومات القانونية والموضوعية والمادية التي ينبني عليها الإنشاء والتأسيس. ووجد الشاب سعد الله وسط هذا الوضع الثقافي الجديد ـ بمصر ـ ضالته التي كان يبحث عنها ويتغياها؛ فضاعف من كتاباته المبدعة في مجلة (الرسالة الجديدة) و(الآداب) البيروتية و(العالم العربي)، و(البصائر) الجزائرية قبل أن تتوقف نهائيا في أفريل 1956، واستطاع أن يُعرِّف بالأدب الجزائري ـ الذي ظل مغمورًا إلى حين ـ بدراساته العديدة على صفحات (الآداب)، بالإضافة إلى ما نشره من أشعار ودراسات نقدية تتلاءم مع توجهات (الرسالة الجديدة).

وفي تلك الأثناء اشترك في العديد من المناشط الثقافية شعرا ونثرا وإبداعا في القصة والرواية والنقد، وكثف من مطالعاته المتنوعة، وكانت فترة تواجده بدار العلوم فترة خصبة توازى فيها التكوين العلمي الرصين وإشباع الرغبة من المطالعة مع المعاناة المتواصلة التي لا تعرف الراحة أو الانقطاع.

وتحولت قراءاته إلى ظاهرة إدمان تقتصر عليه دون سواه، وتمكن في نهاية المطاف من الانتصار لثورته بطبع باكورة إنتاجه الشعري (النصر للجزائر) في (دار الفكر) بالقاهرة سنة 1957 وهي السنة التي وقع فيها (إضراب الثمانية أيام) ودارت فيها (معركة الجزائر) بعنف وضراوة زلزلتا قواعد الواقع الكولونيالي الجائر.

إنتاج أدبي وعلمي غزير

في غمرة إنتاجه الأدبي الوفير، كتب الباحث أبو القاسم سعد الله أطروحته للماجستير سنة 1960 عن الشاعر محمد العيد آل خليفة وكانت بعنوان: (محمد العيد آل خليفة رائد الشعر الجزائري في العصر الحديث)؛ وكان للمقادير مشيئتها ودورها، فلم يناقش رسالته وتوجَّهَ إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد حصوله على منحة للدراسة من جبهة التحريرالوطني. ومن قسم التاريخ بجامعة (منيسوتا ـ MINNESOTA) تحصل على الماجستير سنة 1962، ومنها نال الدكتوراه سنة 1965، وعاد إلى جامعة الجزائر سنة 1967، وبدأ مساره الأكاديمي بين زملائه وطلبته، وتبوَّأَ عدة مناصب ومسؤوليات في الجامعة الجزائرية، وكان أستاذا زائرا في العديد من الجامعات العربية والأجنبية، وساهم في إصلاح التعليم العالي بتجربته وخبرته، وترأس لجانا علمية مختلفة كما كان عضوا في بعضها، كما أسندت إليه مهام علمية أخرى مثل فيها الجزائر أحسن تمثيل.

وتقديرا لجهوده الأكاديمية التي تُذكرُ على الدهر فَتَشْكَرُ؛ خصه (معهد المناهج) بالجزائر العاصمة، بنشرية حول: (السيرة الذاتية والعلمية) تحت عنوان (أ. د. أبو القاسم سعد الله شيخ المؤرخين، وقدوة الباحثين) بمناسبة تكريمه واستحقاقه لـ: (وسام العالم الجزائري) الممنوح له من طرف المعهد المذكور ـ ربيع الثاني 1428 / ماي 2007 ـ؛ فتحية خالصة لِـ: (معهد المناهج)على لفتته الخالدة، وتقديره لأعمال فقيدنا وتكريمه في حياته.

وقد أنتج الدكتور سعد الله في مجال تخصصه طائفة من التواليف الموسوعية ككتابه الضخم (تاريخ الجزائر الثقافي) الذي جاء في عشرة مجلدات، واشتمل على 5071 صفحة، وموسوعته الأخرى (أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر) المؤلفة من خمسة مجلدات واشتملت على 1675 صفحة، وأطروحته للدكتوراه (الحركة الوطنية الجزائرية) بمجلداتها الأربعة، وتجاوز تعداد صفحاتها 1880 صفحة، فضلا عن كتبه الأخرى التي زادت على الأربعين وتوزَّعتها التراجم والدراسات المختلفة والتحقيق والإبداع الأدبي بمختلف ضروبه.

وستبقى كتبه ودراساته شاهدة على موسوعيته وأصالة أبحاثه وغزارة علمه، فهو الرجل الذي جمع أطراف العلم، واعتكف في محراب التاريخ، ورابط دهرًا طويلا في خنادق الأدب، وكان بحق المفكر والمؤرخ والرحالة الطَّوَّاف الذي جاب الأمصار والبقاع النائية من أجل استكمال معلومة أوتسجيل تهميش يظنهما البعض من البساطة بمكان، وهما عند فقيدنا من صميم العلم الذي لا يستقيم إلا بهما وبأشباههما ونظائرهما، وهو الأديب الشاعر الناثر والروائي المبدع الذي جرب كل ألوان السرد، فكان يراعه مطواعا يستجيب ويتدفق كالسيل المنهمر، وهو الذي جال أصقاعا كثيرة للاطلاع على شتى فنون المعرفة والوقوف على منشإ ونهاية الحضارات، فكان المتقن المتحكم في فن الأداء العلمي بمهارة المتخصص الذي خُلِقَ للإنتاج الفكري وخُلِقَ هذا الأخير له، وكأنهما صنوان لا يفترقان.

ثقافة معرفية شاملة

وعلى الرغم من ذلك الجهد وما فيه من مثابرة وانضباط، فقد كان الباحث أبو القاسم سعد الله يتطلع من وراء كل تلك المتاعب والمشاق إلى التحصن بثقافة معرفية شاملة تكون بمثابة الذخيرة العلمية المسلحة بلسان العلم والدليل، التي تحتاجها جزائر ما بعد الاستقلال، تحسبا وتحديا للفراغات والتركة الخراب التي سيتركها المستدمر بعد رحيله. وكان فقيدنا ـ يومذاك ـ على علم ووعي تامين بمخططات العدو ومكره وأحابيله الإدارية والعسكرية التي كانت تستهدف تقرير المصير وتتربص باسترجاع سيادتنا الوطنية.

وقد تحقق الكثير من حدس سعد الله، بتصاعد عنف منظمة الجيش السري (O.A.S) التي عملت على تلغيم التفاوض، وضرب استقلال الجزائر بشكل جنوني بوساطة تنفيذ جرائم جهنمية فيها الإبادة والمحو الكامل لكل ما له صلة بالشعب الجزائري الذي أصبح هدفا مستباحا لجرائمها التي لا تستثني شيئا ولا ترحم أحدا؛ وقد اشتمل مخطط المنظمة الإرهابية على زرع الخراب وإشاعة الرعب والذعر في النفوس، وتدمير المؤسسات واغتيال الأشخاص، ومناوءة كل ما هو جزائري، فكان اغتيال الكاتب مولود فرعون في: 15 مارس 1962، وتفجير الميناء في قلب العاصمة في: 02 ماي 1962، وحرق مكتبة جامعة الجزائر في: 07 جوان 1962، من بعض أعمالها الإجرامية الراسخة في الذاكرة الجزائرية.

تحرير الدرس التاريخي

وكان تحدي سعد الله في محله، فالجزائر ـ في السنوات الأولى لاستقلالها ـ كانت في أشد الحاجة إلى أبنائها وإطاراتها العلمية والثقافية في كل مجال. وكان فقيدنا عليه رحمة الله من أبرز تلك النخب المخلصة التي عادت إلى الجزائر للإسهام في بنائها؛ وقد عاد بعزيمة صادقة لتحرير الجزائر ثقافيا وتطهيرها من أدران المستدمر وآثار بقايا االمسخ والانسلاخ، التي دمرت الأمة الجزائرية، وفَرْنَسَتْ واقعها على مدى أكثر من قرن واثنتين وثلاثين سنة.

وبعودة سعد الله إلى الجامعة الجزائرية، بدأت هذه الأخيرة تعرف نقلة نوعية في التدريس، وبدأ اليراع في أيدي الطلبة يتحرك من اليمين إلى الشمال.

وعلى مستوى المضمون كان للشاب المتألق الدكتور أبو القاسم سعد الله الفضل الأبرز في تحرير الدرس التاريخي من قبضة المدرسة التاريخية الفرنسية وتفسيرها المغرض للتاريخ من وجهة نظرها الكولونيالية المتجنية، وتعصبها الشوفيني المقيت.

وكان سعد الله ـ صاحب «الحركة الوطنية الجزائرية» ـ بمنهاجه الصادق ونظرته المتطلعة التي تقوم على استراتيجية علمية وطنية، يعمل على تأسيس مدرسة واقعية للتاريخ الجزائري، مدرسة موضوعية متحررة من هيمنة الإملاءات التي يحاول تكريسها والإبقاء عليها سدنة الاستدمار وقَوَّادِّيهِ بوساطة المنهج العلمي !!! ـ وما هو بعلمي ـ أو التدليس الكولونيالي من الذين تداولوا على دراسة وتدريس التاريخ الجزائري من منطلقات متشبعة إلى حَدِّ التخمة بالروح الاستدمارية القائمة على الاستكبار والزيف والاستعلاء.

مدرسة قائمة بذاتها

ويكفي الدكتور سعد الله أنه أصبح مدرسة قائمة بذاتها ورمزا علميا قضَّى أكثر من خمس وستين سنة فارسًا لا يُشقُّ له غبار في ميدان العلم، وسلخ يفاعته وزهرة شبابه وكهولته وشيخوخته بين القرطاس والقلم، وأحب الكتابة ومتابعة البحث إلى درجة الهوس والافتتان، فجاءت النتائج كما أراد لها أن تكون، وأصبحت الكتابة عنده جِرَشَّةً تلازمه ويلازمها، يكتب في كل مكان.. يصطحب معه كنانيشه أينما حل وارتحل.. يُدَوِّنُ.. يلاحظ.. يتساءل عن فكرة.. يبحث عن مخطوط.. يحاور من أجل الظفر بغائبة أو اكتشاف حقيقة علمية تنير دروب البحث وتبدد الضباب الكثيف الذي يحجب ذخائر التراث وحقائق التاريخ.. يثير النقاشات حول مواضيع تحتاج إلى التعاون والتركيز للوقوف على أجوبة تتعلق بقضايا ثقافية حساسة غير مجمع عليها.

وقد آتت المدرسة التاريخية الجزائرية أكلها على أيدي أبي القاسم سعد الله وأينعت ثمارها في كل جامعات الوطن، ولاخوف على مصيرها ومشروعها؛ فأصلها ثابت وفرعها في السماء، وسيبقى سعد الله الرمز.. سعد الله النضال.. سعد الله الموقف.. سعد الله الإنسان الذي لا ينفد صبره.. سعد الله اليراع المتميز الذي لا ينضب حبره.. ويكفيه أن يكون من طلبته وحوارييه هذه الأسماء اللامعة والهامات المتألقة في سماء الجامعة الجزائرية التي تسلمت أمانة المشعل من أيدي المعلم الرائد الذي ذهب إلى دار البقاء مطمئنا، ونذكر منهم الأستاذ الدكتور العالم المحقق ناصر الدين سعيدوني، والبروفيسور الكبير محمد العربي الزبيري، والبروفيسور المرحوم يحي بوعزيز، والبروفيسور يوسف مناصرية، والأستاذ الدكتور محمد العربي معريش، والأستاذ الدكتور محمد الأمين بلغيث، والأستاذ الدكتور أحمد مريوش.

والذي يريد أن يتعرف على سعد الله أكثر عليه أن يقرأ آثاره، ويتعمق في فهم نتاجه الذي يعد ظاهرة في عالم الكتابة الموسوعية التي لا ساحل لها؛ وبقراءة سعد الله واكتشاف عالمه الفكري الدسم نستطيع التعرف على اهتمامات هذا المفكر العملاق الذي لَمْ نعرف بعد من يجاريه من معاصريه في غزارة الإنتاج العلمي، والتفرغ للبحث الأكاديمي تفرغًا كليا. واللافت للانتباه أن أبا القاسم نذر نفسه للبحث الْمُضَنَّى الذي كان على حساب صحته، وأوغل في هذا الإتجاه حتى طالته طائفة من الأسقام، تضافرت كلها على النيل منه، وأحاطت به من كل جانب، وجعلت منه فريسة للأدواء المستعصية، وما كان منه ـ عليه رحمة الله ـ إلا أن تصدى لها بمواصلة الكتابة وبالتصميم على إنجاز ما يمكن إنجازه، وكان صبورًا وقويًا ببأْسه وعناده، وواجه محنة العلل ـ التي جاءته تترى ـ بإضافة مشاريع جديدة إلى مشاريعه السابقة، وتشبث بالبحث ودفع ضريبة التعب والمرض في سبيل حفظ تاريخنا الثقافي من الانمحاء والتلاشي والضياع، وأبلى البلاء الحسن بصموده المتواصل وثباته الذي يشهد له به المنصفون.

واستمسك في نهاية المطاف بالقلم بين ثلاثية السبابة والوسطى والإبهام، مثله مثل المقاتل الشهم الجريح في ميدان الوغى، يقاتل وجراحه تنزف؛ ذلك هو سعد الله الذي أبى أن يسقط القلم من يمناه، وأصر على استمرارية المواجهة بين القلم والقرطاس، وتسجيل آخر الفصول من معركة الحبر مع بياض الورق الذي سيظل بياضا بعد مجالدة سعد الله الذي انطفأت بذهابه ورحيله إلى دار البقاء شمعة من شموع الوطنية والعلم والتاريخ. فرحم الله أبا القاسم سعدالله وأسكنه فسيح جناته.

عن عمار رقبة الشرفي

- مجاز في القراءات العشر المتواترة من طريق الشاطبية والدرة. - مجاز في الكتب التسعة بالسند المتصل وبعدد من كتب الحديث الشريف. - شهادة تخرّج في العلوم الشّرعية والعربية من معهد بدرالدّين الحسني بدمشق. - شهادة الدّورة التّأهيليّة للدّعاة. - إجازة تخرج (ليسانس) من معهد الدّعوة الجامعي (فرع دمشق) في الدراسات الإسلاميّة والعربيّة. - ديبلوم ماجيستير في الفقه المقارن (تحقيق جزء من كتاب عيون الأدلّة - للقاضي أبي الحسن علي بن أحمد المالكي البغدادي المعروف بابن القصار (ت :398هـ - 1008م- قسم المعاملات. - مؤسس ومدير معهد اقرأ للقرآن وعلومه، باب الزوار- الجزائر العاصمةhttp://iqraadz.com/ - المؤسس والمشرف العام على موقع المكتبة الجزائرية الشّاملة http://www.shamela-dz.net/ - خطيب مسجد مصعب بن عمير – باب الزوار- الجزائر

شاهد أيضاً

روافد الاجتهاد المصلحيّ عند المالكيّة – الدكتور عبد الرّحمن بن معّـمر السّـنوسي

إنّ من المسلمات في تاريغ التشريع وأدبيّاته أن مذهب مالك من أكثر المذاهب الفقهية تعويلا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *