الرئيسية / مقالات و دراسات / دراسات جزائرية / إجهاض الجنين المشوّه أو المختل عقليا الدّكتور: محمد هندو

إجهاض الجنين المشوّه أو المختل عقليا الدّكتور: محمد هندو

Print Friendly, PDF & Email

يستفسر بعض الناس عن إجهاض الجنين الذي يقول مختص علم الأجنة: إنه سيولد -يقينا- منقوصا أو مشوها أو مختلا عقليا أو جسديا، ولا شك أنّ ذلك يسبب له حياة غير طبيعية، بل ربما نكدة شقية، ويشقى بشقائه والداه وأهله والمجتمع من حوله، ويخيل لبعض الناس أن إجهاض مثل هذا الجنين أمر مسموح به، بل مرغوب فيه؛ لأن فيه مصلحة واضحة وهي:

تخليص هذا الجنين وأهله والمجتمع من حوله من الحرج والشقاء والمتاعب والأعباء التي قد لا يطيقونها، فأحببت أن أبين وجهة نظر الشريعة لهذه القضية، تحذيرا للقارئ الكريم من هذا الوهم الخاطئ.

أجمع الفقهاء أنّ الجنين إذا نُفخت فيه الرّوح فقد أصبح نَفْسًا كاملة، والنفس ليست ملكا لصاحبها الإنسان فيتصرّف فيها كما يشاء؛ فضلا عن أن تكون ملكا للوالدين أو الأقربين، بل النفس هي ملكٌ لله تعالى، هو ربّها وسيدها وصاحب أمرها، استودعها جسدَ الإنسان وأمره كيف يتصرّف فيها، وحرّم كلّ أشكال الإضرار بها، وأشدّ ذلك:الانتحار، فلا يجوز للإنسان أن يقتل نفسه، قال الله عزوجل: (ولا تقتلوا أنفسكم إنّ الله كان بكم رحيما) (سورة النساء: 29).

وعن جندب رضي الله عنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان برجل جراح فقتل نفسه فقال الله: بدرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة)، (البخاري، حديث رقم: 1364).

وأشد تحريما من قتل الإنسان نفسه أن يقتل نفس غيره بغير حقّ، قال الله تعالى: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنّه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعا) (سورة المائدة: 32).

إذا تقرّر هذا؛ فالجنين إذا صار نفسًا مكتملة تنطبق عليه نصوص تحريم قتل النفس تماما.

وأمّا شبهة المصلحة في قتله حال كونه مشوّها أو مختلا؛ فالجواب عليها أن يُقال:

أرأيت لو تشوّه الجنين أو اختلّ عقله يوم ولادته أو بعد ذلك لحادثٍ ما؛ ألا ترى أنه لا يقول بقتله أيُّ عاقل، ولا تطيب نفس والديه وأهله بقتله، بل يُعدّ قتله جريمة بكلّ المقاييس، وإزهاقا لروح معصومة محترمة؟.

ألا ترى أنّ الوالدين والأهل والمجتمع يصبرون على هذا المولود، ويبذلون أسباب علاجه إن أمكنت، فإن لم تمكن يرضون بقضاء الله وقدره؟

فنقول: لا فرق بين تشوّه الجنين داخل رحم أمّه وتشوهه خارجه؛ إذ هو في الحالين نفس مكتملة معصومة بعد نفخ الروح. متى تنفخ الروح في الجنين؟

لا يعرف العلم الحديث متى تنفخ الروح في جسد الجنين، والسبيل الوحيد لمعرفة ذلك هو الوحي، والنص الصحيح الوحيد الدال على ذلك هو قوله صلى الله عليه وسلم:

(إنّ أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمّه أربعين يوما، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثمّ يرسل الملك فينفخ فيه الروح …)، (مسلم، حديث رقم: 2643).

فينص الحديث أن نفخ الروح يعقب مرحلة اكتمال المضغة، وهذه الرواية التي في مسلم تدل أن مرحلة العلقة ومرحلة المضغة تكونان خلال الأربعين يوما الأولى، وذلك لقوله: (ثم يكون في ذلك علقة … ثم يكون في ذلك مضغة)، فعبارة: (في ذلك) معناها (في الأربعين يوما)، وليس كما تُوهم رواية البخاري: (إنّ أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك …)

إن مرحلة المضغة تكون في الأربعين الثالثة، وبناء على هذا الوهم قال بعض العلماء:

إن نفخ الروح يكون بعد (120 يوما) من عمر الجنين، وهذا خاطئ، والعلم الحديث يرصد حركات إرادية يقوم بها الجنين مثل البلع وحركة اليد إلى الفم والمضغ وحركات اللسان وحركة اليد إلى الوجه ومص الأصابع قبل مائة وعشرين يوما، في الأربعين الثانية والأربعين الثالثة.

والحركات الإرادية تدل على نفخ الروح، وبالتالي فالذي نستطيع أن نجزم به أن نفخ الروح يكون بعد الأربعين يوما الأولى من الحمل، لكن في أي يوم أو أسبوع أو شهر؛ ليس هناك دليل شرعي يحدد ذلك يقينا، إلا ما يغلب على الظن من أن نفخ الروح يكون بعد كسو العظام لحما ودخول الجنين طور (الخلق الآخر)، وذلك محتمَلٌ في الأسبوع الذي يلي مرحلة المضغة وهو الأسبوع السابع، كما هو محتمل في الأسبوع الثامن أو التاسع أو العاشر.

وبناء عليه نخلص إلى القول:

يحرم إجهاض الجنين المشوه بعد الأربعين يوما من الحمل؛ إذ يحتمل أن تـنفخ فيه الروح في أي أسبوع بعد ذلك، وإذا حصل ذلك فهو نفس مكتملة معصومة؛ قتلُها داخل الرحم كقتلها خارجه، لا فرق، والله أعلم.

عن عمار رقبة الشرفي

- مجاز في القراءات العشر المتواترة من طريق الشاطبية والدرة. - مجاز في الكتب التسعة بالسند المتصل وبعدد من كتب الحديث الشريف. - شهادة تخرّج في العلوم الشّرعية والعربية من معهد بدرالدّين الحسني بدمشق. - شهادة الدّورة التّأهيليّة للدّعاة. - إجازة تخرج (ليسانس) من معهد الدّعوة الجامعي (فرع دمشق) في الدراسات الإسلاميّة والعربيّة. - ديبلوم ماجيستير في الفقه المقارن (تحقيق جزء من كتاب عيون الأدلّة - للقاضي أبي الحسن علي بن أحمد المالكي البغدادي المعروف بابن القصار (ت :398هـ - 1008م- قسم المعاملات. - مؤسس ومدير معهد اقرأ للقرآن وعلومه، باب الزوار- الجزائر العاصمةhttp://iqraadz.com/ - المؤسس والمشرف العام على موقع المكتبة الجزائرية الشّاملة http://www.shamela-dz.net/ - خطيب مسجد مصعب بن عمير – باب الزوار- الجزائر

شاهد أيضاً

روافد الاجتهاد المصلحيّ عند المالكيّة – الدكتور عبد الرّحمن بن معّـمر السّـنوسي

إنّ من المسلمات في تاريغ التشريع وأدبيّاته أن مذهب مالك من أكثر المذاهب الفقهية تعويلا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *