الرئيسية / مقالات و دراسات / مقالات جزائرية / أنا مستقيل – الأستاذ عمار بن ثابت

أنا مستقيل – الأستاذ عمار بن ثابت

Print Friendly, PDF & Email

“أنا مستقيل ” كلمة إن لم تسمعها من بعض أبناء الحركة الإسلامية وجدتها سلوكا في حياتهم ، وموقفا من حراك يومي وتسارع في الأحداث ، استقالة من الانجاز وقد تكون في أسوأ حالاتها استقالة من التفكير  لتنتهي باستقالة من التنظيم وحتى نقف على هذا الداء العضال نحتاج بداية أن نقف على بعض مظاهره :

1ـ كثرة السخط والتذمر :

فَعَيْنُ الرِّضا عن كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ ** ولكنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي المَساوِيا

أَأنتَ أَخِي ما لم تَكــــُنْ ليَ حاجَةٌ ** فإنْ عَرَضَتْ أيقَنْتُ أنْ لا أَخـــــالِيا

فلا زادَ ما بَيْنِــــــي وبَيْنَكَ بَعْدَمـــــــــا ** بَلَوْتُكَ في الحــــالَيْنِ إلاّ تَمـــــــــــــــــادِيا

كِلانا غَنِـــــــيٌّ عـــــــــن أَخِيـــــــهِ حَياتَهُ ** ونحنُ إذا مُتْــــــنا أَشَــــــــدُّ تَغــــــــــــــــــــانَيا

يبدو أن أكثر أبناء الدعوة أصبحوا لا يرون إلا الجانب المظلم من القمر ، ولا يهتمون إلا بالجزء الفارغ من الكأس ، فلم يفرقوا بين النقد وضرورته في بناء الحركة وتطورها ، وبين السخط عن كل موقف والتذمر من كل سلوك ، إن عينَ الحُبِّ والرِّضا لا تَكَادُ تُبْصِر عُيُوبَ المحبوبِ، فهي أشْبَهُ ما تكون بالعينِ الكليلةِ المرِيضَةِ التي لا تكاد تَرَى شيئا.

أما عينُ البُغْضِ والسُخْطِ فهي تُظْهِر ما خَفِيَ من العيوب والمساوِي لأنها تَبْحَثُ عنها وُتمْعِنُ النَّظَرَ فيها.

2ـ النظرة المثالية :

لعل العامل الأكثر والداء العضال الذي جعل هذا المرض يستشري هو وهم الكمال والمثالية الذي رضعه الكثير في محاضنه التربوية فاتسعت الرقعة بين الممكن والمأمول ، وأصبحوا يقيسون المواقف والتصرفات بما رسخ في أذهانهم من مثالية وطموح ، فإذا حدثته في موضوع بدأ يقارن لك بما سبق أو بما هو موجود دون إعمال للفوارق والظروف والاختلاف

3ـ إدمان الشكوى :

ألف بعض أبناء الحركة الإسلامية إدامة الشكوى فأصبحت لا تخل مجالسهم من شكوى وبكاء على الأطلال والأيام الخوالي ، بل وأصبح أكثرهم أسير الماضي وفي ذلك ينصح الدكتور عبد الكريم بكار ” لنقلّل من الشكوى قدر الاستطاعة، ففي زمان العولمة تقل فائدة الشكوى، ويقل وجود الذين يمكن أن نشكو إليهم، ولنعمل دائمًا على محاصرة الشر بالخير، والباطل بالحق، والهزيمة بالنصر. ولنكن ملء السمع والبصر.

4ـ الاستسلام إلى أراء الآخرين :

لما تمكن التملص والتحلل من روح المسؤولية من قلوب بعض الإخوة تمكن من أنفسهم الاستسلام إلى آراء الآخرين ودخل أغلبهم  في حرب قذرة  بدأت بزعزعة القناعات وانتهت بقتل الولاءات ، ففقدوا  قدرتهم على التأثير في المجتمع والنضالية بعد أن بدؤا يفقدون الثقة في رموزهم وقيادتهم لينتهي بهم الأمر إلى فقدان الثقة في مشروعهم الإسلامي الأصيل

5ـ التركيز على السلبيات:

كثيرا ما تسيطر علينا رغبة دفينة في النقد الهدام فنترصد كل خطأ ، ونقف على كل تصريح ونقيم المجالس لنقده والتشهير به ، وكأنه في علمنا جرح دون تعديل ، فاذا كان هناك موقف نبيل او عمل رائع أو سلوك حضاري سكت المتذمرون ولم يتحدثوا أو يعلقوا ذلك ان الإنسان اذا أدمن الشكوى لم يشف إدمانه الا ترصد العثرات ومتابعة السقطات

6ـ الروح في غربة والجسم في وطن:

ومن مظاهر الاستقالة في عصرنا هذا أن تجد أحدهم معك جسدا دون روح ، وحضورا دون عمل ، وعمل دون حرقة ، انها استقالة معنوية يحسب صاحبها ان مجرد الحضور قيام بالواجب ، فاذا حضر لم تسمع منه رأيا أو مشورة

7ـ الخجل بالانتماء:

ومن مظاهر الاستقالة التي نلمحها عند بعض الأفراد أن تجد تصريحه بالانتماء عقدة مالها حل والمصيبة الأكبر ان تجدها في بعض العاملين الذين يعرفهم الخاص والعام بانتمائهم ، وكأنه جريمة وجب التستر عليه ، ان عقدة الخجل بالانتماء تسقط صاحبها في أعين الغير ، ذلك ان الغير وان اختلف معك اديولوجيا سيحترمك لمواقفك ومبادئك ، فما أتعس من يتستر على انتمائه وكل العالم يعرف من يكون

ـ أسباب الاستقالة :

ــ ضعف التكوين الفكري وغياب الوعي:

يستقيل بعض الناس من النشاط والعمل لضعف تكوينهم وسطحية تفكيرهم ، ذلك أن أول هزة قد تزلزل قناعاتهم وتشككهم في طريقهم ، ان المتانة الفكرية هي سر الصمود ، والوعي هو سلاح المقاومة ، وما وسائل الخصوم إلى تخدير الوعي ومحاربة الفكر

ــ الإشاعة والتأثير الإعلامي:

في زمن العولمة أصبح من السهل بمكان برمجة المتلقي والتأثير فيه من خلال زرع البلابل والإشاعات وترغيب الناس في الابتعاد عن الصراع وإيثار السلامة والتفرغ للدنيا خاصة في زمن شيطنة المخالف وعدم امتلاك الحركات الإسلامية القوة الإعلامية الكفيلة بصناعة رأي عام آخر

ـ سقوط القدوات وكثرة الانقسامات:

أدى تسارع الأحداث وضعف التأهيل التربوي وغلبة العمل السياسي الى سقوط بعض قدوات الحركات الاسلامية وتشرذم بعضها وهو ما دفع ببعض الافراد الى الدهشة والارتباك ، ومن ثم ايثار الاستقالة على عمل في جو محموم بكثرة الخصومات والنزاعات خاصة حين يسمع من قيادات في الصف الأول نقدا لاذعا وكلاما ما كان يتوقع ان يسمعه في يوم من الأيام

ـ عدم الاهتمام بالعلوم الانسانية :

ان الفرد الذي لا يدرس علم الاجتماع أو علم النفس ولا يتعلم من تجارب التاريخ سيقف عاجزا أمام فهم وتحليل مختلف الظواهر ، كما أن الذي يمارس السياسة وهو لا يعرف عنها إلا اسمها سيأتي اليوم الذي يتوقف طالبا النزول والقافلة تمشي لأنه لم يستطع مواكبة التطورات ولا فهم الأحداث

ـ الكولسة والصراعات الداخلية:

كثيرا ما ينصب بعض الأفراد أنفسهم أوصياء على التنظيم فيعملون على إقصاء بعض الأفراد بحجة عدم صلاحيتهم للعمل ، وكثيرا ما تفسد حمى الاستحقاقات الانتخابية نوايا الأفراد فتدفع ببعضهم الى إقصاء من يرونهم منافسا لهم وهو ما يجعل بعض الأفراد يستقيلون لعدم قدرتهم على مواجهة مثل هذه الممارسات

ـ كثرة المحن والفتن :

يرى الدكتور عبد الكريم بكار ان المحن على المدى الطويل تفرق أكثر مما تجمع ، ذلك أن الفرد لما يرى بعض الحركات الاسلامية تعاني أكثر من غيرها قد يصيبه الإحباط  ويتسلل إلى قلبه اليأس

ـ ضعف التربية:

ينخرط بعض الأفراد في العمل وينسى حضه من التكوين والتزكية فتخوى روحه ويسيطر جسده وتبدأ ثورة تطلعاته ، فيتواجد حيث تتواجد مصلحته ويغيب حيث تغيب ، فاذا كثرت المغارم وانعدمت المغانم انسحب من العمل واستقال .

ـ تغليب العمل السياسي:

الخط السياسي خط ساخن كثير الصراعات ، ولعله من سوء التقدير اقحام بعض الافراد الذين لا يمتلكون القدرة على الخوض في السياسة وادارة الصراع في أعمال لا تتواقف مع قدراتهم وميولاتهم ، وأحيانا في مسؤوليات سياسية لا تتناسب معهم دفع ببعض هؤلاء الى الاستقالة والانعزال

ـ عدم التوازن:

كثيرا ما ينغمس بعض الافراد انغماسا كاملا في أعمال دعوية وحركية على حساب أعمال اخرى ، فقد يهمل بعضهم اسرته ، وقد يهمل البعض الآخر دراسته ، وقد يضيع اخرون معاش حياتهم ، ان عدم التوزان يعني ان تتوقف في منتصف الطريق وهو ما جعل بعض الطاقات

عن عمار رقبة الشرفي

- مجاز في القراءات العشر المتواترة من طريق الشاطبية والدرة. - مجاز في الكتب التسعة بالسند المتصل وبعدد من كتب الحديث الشريف. - شهادة تخرّج في العلوم الشّرعية والعربية من معهد بدرالدّين الحسني بدمشق. - شهادة الدّورة التّأهيليّة للدّعاة. - إجازة تخرج (ليسانس) من معهد الدّعوة الجامعي (فرع دمشق) في الدراسات الإسلاميّة والعربيّة. - ديبلوم ماجيستير في الفقه المقارن (تحقيق جزء من كتاب عيون الأدلّة - للقاضي أبي الحسن علي بن أحمد المالكي البغدادي المعروف بابن القصار (ت :398هـ - 1008م- قسم المعاملات. - مؤسس ومدير معهد اقرأ للقرآن وعلومه، باب الزوار- الجزائر العاصمةhttp://iqraadz.com/ - المؤسس والمشرف العام على موقع المكتبة الجزائرية الشّاملة http://www.shamela-dz.net/ - خطيب مسجد مصعب بن عمير – باب الزوار- الجزائر

شاهد أيضاً

ما جمعته يد الله لا تفرقه يد الشيطان – الإمام عبد الحميد بن باديس

إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمع بينهم الإسلام منذ بضع عشرة قرنا، ثم دأبت تلك القرون تمزج ما بينهم في الشدة والرخاء، وتؤلف بينهم في العسر واليسر، وتوحدهم في السراء والضراء، حتى كونت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصراً مسلما جزائرياً، أمه الجزائر وأبوه الإسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *