الرئيسية / المشرف العام / المقالات / إجازاتٌ..وأسانيد .. الدكتور عبد العزيز بن السايب

إجازاتٌ..وأسانيد .. الدكتور عبد العزيز بن السايب

Print Friendly, PDF & Email

خَيْرُ ما يَشتغلُ به الإنسانُ في هذه الحياة هو العلمُ وطلبُهُ، ولقد قال صلى الله عليه وسلم: «..وإنَّ فَضْلَ العالمِ على العابدِ كَفضل القمرِ ليلةَ البدر على سائرِ الكواكب، وإِنَّ العلماءَ وَرَثَةُ الأنبياء، وإن الأنبياءَ لم يُوَرِّثُوا دِيناراً ولا دِرْهماً، وَرَّثوا العلم، فمن أَخَذَهُ أخذ بِحظٍّ وَافِر» . أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وابن حبان . وأحاديثُ فضلِ العلم وحُكمِهِ مَوفُورَةٌ .
هذا الذي يَدْفَعُ الإنسانَ إلى طلب العلم، والصبر على ما يجده في طريقه، والتحمل لما فيه من ثِقَلٍ ومُعاناةٍ..
لكن ..ككلِّ خيرٍ لا بُدَّ للشيطان أن يضع في طريقه العوائق ويشتت الذهن عنه بشتى الصَّوارف، ويُهيجُ النفس بما يُفسد عليها أعمالها ..
كما فعل مع خادم موسى صلى الله عليه وسلم لما أنساه الحوت حتى لا يَجتمع موسى والخضر صلى الله عليهما وسلم ..(وما أنسانيه إلا الشيطان أن اذكره) .
مما أكرمني الله جل جلاله به مُجالسةُ عالم من علماء الجزائر ..في الشام ..بل بِتُّ معه ليالٍ وصاحبتُه أياما ..وهو سيدي الشيخ أحمد الأطرش السنوسي، الشهير بـ”الشيخ لطرش السنوسي”، رحمه الله تعالى .
سَبَقَ أن بَثَثْتُ ملابسةَ ذلك في مقالة تحت عنوان “إعارة الكتب”، في هذه الصفحة، لا بأس أن أقتبس منها هذه الأسطر: “..الشيخ لطرش من علماء الجزائر الأفذاذ، خريج الزيتونة، اجتمع بالشيخ الرئيس عبد الحميد ابن باديس وبعض رجال الرعيل الأول من أشياخ الجمعية، كان مُبَرِّزًا في علمي الأصول والفقه المالكي، وله فيهما المصنفات المفيدة ..أكرمني الله بالسكنى معه بضعة أيام في دمشق في حي قبر عاتكة ..فالشيخ كان كثير الزيارة لدمشق، وطيد العلاقة بمشايخها..خصوصا الشيخ مصطفى البغا ..وسبب مبيتي معه أن عائلة قريبةً له قرابةً متينةً كانت تُقيم في دمشق، في حي راقٍ جدا من أحياء دمشق، فكانت للشيخ زيارة سنوية لها.. بيدَ أن الشيخ فَضَّلَ أن يَسكن في الأحياء القديمة القريبة من وسط المدينة .. وكان بيتُ أحدِ الإخوةِ شاغرا لسفره للجزائر حِينها، فاقترحَ عَلَى الشيخ لطرش أن يَسكنه، وكَرَّمَنِي بالوقوف على خدمته، ومرافقته في تنقلاته” ..
أما في هذه المقالة فأنقل واقعة أخرى معه رحمه الله تعالى فيها الدُّروس والعِبَر..
ففي إحدى الأمسيات طَرَقَ علينا البابَ طالبٌ جزائريٌّ جاء يُسَلِّمُ على الشيخ وبصحبتِهِ طالبٌ أُرْدُنِيٌّ يدرس في أحد المعاهد الشرعية بدمشق ..
بعد السلام على الشيخ قام هذا الطالبُ الأردنيُّ بمقدِّمَةٍ مُمَهِّدَةٍ عن أهمية الإسناد في الدين وفوائد الإجازة من العلماء.. وهي لَبَاقَةٌ مَشرقيةٌ لطلبِ الإجازةِ من الشيخ لطرش والحصولِ على أسانيده في العلوم والكتب.. ثم صرَّح هذا الطالب للشيخ ببُغْيَتِهِ ومقصدِهِ..
والشيخ لطرش ينظر إليه صامتا، لكنه صاحب إجابات مُخْتَصَرَةٍ مُبَاشِرَةٍ لا مُجَامَلَةَ فيها..
فقال له بلهجتنا: “يا بْنِي اطلب العلم للعلمِ..للهِ..للفائدةِ..اخْطِيكْ من هذا الشيّ..ما وَرَاهْ وَالُو..” ..أي دعك من هذا الأمر، فليس وراءه شيء..اطلب العلم لله والعلم..
لم يستسلم الطالب الأردني لصرف الشيخ لطرش..يبدو أن له مِرَاسًا عند صدود المسْتَجَازِين..فأعاد الكرة قائلا: كلامك سيدي الشيخ صحيح..والطالبُ ينبغي أن يكون علمه لله والعلم..ولكن لا بأس بأخذ الإجازات لتبقى السلسلة متصلة، وتنتقل البركة من السابقين إلى اللاحقين..
فبدأ وجه الشيخ لطرش يَتَمَعَّرُ..
فأجابه بحدِّةٍ مغربيةٍ: .. لَمَّا طَلَبْتُ العلمَ لم أفكرْ لا في الإجازات، ولا في الشهادات، ولا في الأسانيد.. كان همي مُنْصَبًا على الجدِّ في التحصيل، والتلقي من كبار العلماء الذين أستفيد منهم..
ثم استمر قائلا: “..وَاش من بركة للعلم تبقى للي يقتطف في ليلة واحدة، واش من خير في علم ساعة..آني قُلْت لك يا ابني اخطيك من هذا الشَّي..” ..
ثم قال لي: يا عبد العزيز هَيَّا شغِّلْ لينا التلفاز، نشوف الأخبار، وواش صار في الدنيا..
كنت أثناء هذا الحوار كله أستمع وأنصت، وأبتسم في باطني، لأني أعلم أين سيصل حَبْلُ هذا الموضوع، لأني فهمتُ عقلية الشيخ لطرش..فلم أتدخل ببنتِ كلمةٍ ولا نصفِها، خشيةَ أن يَقْصِفَنِي سيدي الشيخُ لطرش..
أدرك الطالبُ الأردنيُّ حينها أن لا أمل له مع الشيخ، فكَفَّ عن طلبِهِ، وبَرَدَ إلحاحُهُ..ولاذَ بالصمتِ خائبًا..
لا أدري كيف سيكون حالُ الشيخ لطرش ورَدَّاتُ أفعالِهِ لو عاش إلى هذه الأيام وحُمَّى الإجازاتِ مضطرمةٌ، والتسابق للأسانيد على قَدَمٍ وسَاقٍ..
لماذا كل هذا..؟
ينبغي أن يُساءل هذا الإنسان نفسَه صادقا: تُرى ماذا أستفيد، وماذا تُضيف لي هذه الإجازات والأسانيد؟!..وما الذي أُقَدِّمُهُ للأمةِ ولآخرتي بها..خصوصا أن الأسانيد اليوم محفوظة ومنتشرة في الكتب المطبوعة..
فالمخوف أحيانا هو التَّبَاهِي، وتسرُّب العُجب..
بل ـ للأسف ـ وُجد مَنْ رَكِبَ الكبائرَ في سبيل هذا الأمر، فانزلق في التدليس المذموم، وتورَّط في التزوير لإجازات وتزكيات مع غشٍّ وسرقات.. والعياذ بالله ..كل هذا ليرَوِّجَ لشخصه أو ينشرَ كتابًا يزعم أنه من تأليفه..
واللهِ .. إنك لتسمع عن تصرفات يَنْدَى لها الجبينُ حياءًا، وتقلقُ منها الأرواح لما تَشُّمُهُ من طُغيانٍ ..كلها من جراء هذه النافذة التي فُتحت في غير جِهتها فهَبَّ منها سَمُومٌ وسُمُومٌ..
نقل الحافظ ابن عبد البر في كتابه الماتع جامع بيان العلم وفضله: عن حمزة بن محمد الْكِنَانِيِّ قَالَ: خَرَّجْتُ حديثا واحدًا عن النبي صلى الله عليه وسلم من مائتي طريق، أو من نحو مائتي طريق، شك الراوي، قَالَ: فَدَاخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْفَرَحِ غَيْرُ قَلِيلٍ، وَأُعْجِبْتُ بِذَلِكَ، قَالَ: فَرَأَيْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا، خَرَّجْتُ حَدِيثًا وَاحِدًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مِائَتَيْ طَرِيقٍ. قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: أَخْشَى أَنْ يَدْخُلَ هَذَا تَحْتَ (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) .
لذلك عندما نقل ابنُ الصلاح هاته القصة قَدَّمَ لها ـ في النوع التاسع والعشرون عن معرفة الإسناد، في كتابه الحافل “معرفة أنواع علوم الحديث” الشهير بمقدمة ابن الصلاح ـ قائلا: “وَعَلَيْهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ تَصْحِيحُ الْقَصْدِ، وَالْحَذَرُ مِنْ قَصْدِ الْمُكَاثَرَةِ وَنَحْوِهِ..”، ثم ذكرها .
وعَلَّقَ عليها القاسميُّ في كتابه قواعد التحديث: “..وهو صحيح في الاعتبار، لأن تخريجه من طرق يسيرة كاف في المقصود منه، فصار الزائد على ذلك فضلًا” .
فالواجبُ واللَّازِمُ أوًّلا ودائما تصحيحُ النية، وجعلها خالصة ناصعة لرب العالمين . ثم السَّعْيُّ الجَادُّ وراءَ نَوعيةِ التَّلقي، والحرصُ على عمق الدراسة، والمثابرةُ على ما يُفيد في العمل والسلوك..
ما الفائدةُ المرجوةُ عند الطنطنة بالإجازات والدندنة بالأسانيد بدون تحقيق المسائل علميا على أصولها، والصبر على تلقي العلم على سَننه..فهل يُرْفَعُ الرأسُ بعد ذلك بتلك الإجازات..
ما نَجَاعَةُ رَفعِ العقيرةِ بأسانيد في الكتب الفلانية..وإجازات في الفنون العِلَّانية..ثم ماذا يكون.. بدون حفظٍ وفهمٍ وعَمَلٍ وسلوكٍ..
صحيح للعلماء عناية بالإجازات العلمية، ومنهم من جمع أسماء شيوخه وأسانيده عنهم في ثَبَتٍ خاص به..وتكلموا عن أنواع الإجازات من حيث العموم والخصوص ..
فلسيت هذه الكلمات طعناتٍ في النيات أو تخييبًا للمساعي..بل هي تذكيرٌ..لأنَّ الإنسانَ يَنساقُ أحيانا وراء مَوْجَةٍ..فتختلط عليه الوسائل بالمقاصد..فبعض المشايخ الأفاضل أحيوا طريقةَ الإجازة في العلوم وقصدُهم تشجيعُ الإقبال على طلب العلم والتحسيسُ بأهميته..فانقلبت الوسيلة غايةً عند البعض، فاستوجب ذلك التنبيه .. للتضخمِ البَيِّنِ هذه الأيام..
فأَجْمَلُ الإجازات ما يُسلِّمه الشيخ ابتداء للطالب دون التماسها منه، فهو يشعر برضا إجازتِهِ، أما بعد طلبِهِ لها وإلحاحِهِ ..ففيه ما فيه .. فلو انشرح صدر الشيخ وبادر بإعطاءِ إجازةٍ أو كِتابةِ إسنادٍ فهو رزقٌ جاء من غير استشراف نفس..وهو من أَطْيَبِهِ..
وأَكْمَلُ منها لما يقرأ الطالبُ الكتابَ، ثم يجيزه الأستاذ من تلقاءِ نفسه . أما أن يتمادى به الطمع إلى أخذ الجَمَلِ بِمَا حَمَلَ في دقائقَ معدودةٍ دون دراسة أو أهلية أو خِبرة فهذا أمر عَجَبٌ عُجَاب..
وهذا الموقفُ من الشيخ لطرش شَهِدْتُهُ في مناسبات أيضا من علماء آخرين بنكهات متنوعة، فالشيخ صادق حبنكة كان يَتَمَنَّعُ في رِفْقٍ، وعلاماتُ الامتعاضِ لا تَخفى على وجه الشيخ البوطي حينما يُطلب منه ذلك.. رحمهم الله تعالى، وأصلح قلوبنا وأخلاقنا..
ما أروع أبيات محمد العَاقِب ولد مَايَابَى الشنقيطي رحمه الله تعالى في تصحيح النيات عند طلب العلم .. لله جل جلاله، والتحذير من غيرها:
مَنْ طَلَبَ العلمَ احتسابًا وابْتِغَا *** رِضَا العليمِ فازَ بالذي ابْتَغَا
ومَنْ بِهِ نَهْجَ الْمُبَاهَاةِ سَلَكْ *** وظَنَّ نفسَهُ على خَيرٍ هَلَكْ
وشيخُهُ في العلمِ بعد علْمِ *** نِيَّتِه شريكُهُ في الإثمِ
وقاصِدُ الدُّنَا به إذا دَرَى *** خِسَّةَ قصدِهِ الخسيس خاطَرَا
فَإِنْ يَتُبْ قَبْلَ الممات سَلِمَا *** مِنْ خَطَرِ الذَّنْبِ وإلا أُسْلِمَا
وذُمَّ مَنْ نَوَى الدُّنَا بالقَيْسِ *** على مُهَاجِرٍ لأُمِّ قَيْسِ

عن عمار رقبة الشرفي

- مجاز في القراءات العشر المتواترة من طريق الشاطبية والدرة. - مجاز في الكتب التسعة بالسند المتصل وبعدد من كتب الحديث الشريف. - شهادة تخرّج في العلوم الشّرعية والعربية من معهد بدرالدّين الحسني بدمشق. - شهادة الدّورة التّأهيليّة للدّعاة. - إجازة تخرج (ليسانس) من معهد الدّعوة الجامعي (فرع دمشق) في الدراسات الإسلاميّة والعربيّة. - ديبلوم ماجيستير في الفقه المقارن (تحقيق جزء من كتاب عيون الأدلّة - للقاضي أبي الحسن علي بن أحمد المالكي البغدادي المعروف بابن القصار (ت :398هـ - 1008م- قسم المعاملات. - مؤسس ومدير معهد اقرأ للقرآن وعلومه، باب الزوار- الجزائر العاصمةhttp://iqraadz.com/ - المؤسس والمشرف العام على موقع المكتبة الجزائرية الشّاملة http://www.shamela-dz.net/ - خطيب مسجد مصعب بن عمير – باب الزوار- الجزائر

شاهد أيضاً

هكذا خرجت من الإسلام وهكذا عدت إليه… زين العابدين غرابي – حاوره عمار رقبة الشرفي

س: ما الذي قادك للتفكير في التنصر؟ بسم الله الرحمان الرحيم والحمد لله على نعمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *