الرئيسية / مقالات و دراسات / مقالات جزائرية / أهي حرب عالمية على السلام والإسلام؟ – الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

أهي حرب عالمية على السلام والإسلام؟ – الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

Print Friendly, PDF & Email

ويح الإنسانية المسالمة، مما يُكاد لها من هذا التحالف، المتحالفِ على الشرّ، وويحَ الإسلام دينِ المحبَّة، والتّسامح، والسّلام، مما يبيِّتُه له أعداء الإسلام، بمباركة بعض المسلمين، من محاولة استئصاله، والعمل على تشويه آلهِ ومآلِه.

فلِمَنْ تُدَّقُ هذه الطبول، طبول الحرب العالمية، فيُحشدُ لها الأسطول، وتعبؤُ لها المدرَّعات، وعابرات القارات على خطوطِ العرض والطول؟ ولماذا تُقرع هذه الأجراس، أجراس التتارِ والمغول، بإمامَة أمريكا، ومباركة الصليب، والهلال، والمساندين بالقواعد والفضول؟.

أكلّ هذا من أجل استئصال شأفة “الدولة الإسلامية” المزعومة التي لم تصل جرائمها إلى هدم البيت على ساكنيه، والمسجد على عابديه، والمستشفى على أطبائه ومرضاه، وممرضيه؟ ومن الذي مكّن لما يُسمى بدُوَيلةِ الإسلام حتى اشتّد ساعدها، وقوِيَ مُساعِدها، وانتشر سلاحها، وظهر قائِدها؟.

وأين كان –لاكان- هذا التحالُف على غير هذا عندما كانت “الدولة الإسلامية” تقيم قواعدها وأركانها، وتحشِد أسلحتها وتُعلِي بنيانها؟.

تبًا لهم!. أليست هذه حربًا على الفكرة الإسلامية بدل الدولة الإسلامية؟ أليست الإسلاموفوبيا هي الكامنة خلف هذا التحالف المتخالف، وهو يلّوِح بشعار محاربة الدولة الإسلامية؟ وهل من حق البلاد العربية والإسلامية أن تسير معصوبة الإرادة، مطموسة السيادة، خلف تحالف يريد أن يفتكَّ منها كلّ معنى للريادة، ويحقّق بمالها وسلاحها، ورِجالها، جريمة الاستئصال للسلم والسلام تحت عنوان حرب الإبادة!.

فأين كانت النخوة العربية، والغيرَة الإسلامية، بل والمشاعر الإنسانية عندما كان المستضعفون المقاوِمون في غزّة العزّة يعانون هول طائرات العدوّ الصهيوني الهمجي وهي تهدِّم المعابد على المتعبّدِين الرّكع، وتخرِّب البيوت والعمارات على الأبرياء من الأطفال الرّضع، بل ولا تبالي أن تقلّب حتى حظائر الحيوانات على البهائم الرتَّع؟.

أين كان –لاكان- حلف الشرّ والحرب على السّلام والإسلام، عندما كان دعاةُ السّلام من المسلمين الفلسطينيين يتضرّعون إلى ربّ السماء، وينشدون تدخل الأقوِياء لإيقاف حرب العدوان على المستضعفين الأبرياء؟.

إنّنا نبرأ إلى الله -حقًا- مِما يفعله، باسم داحس أو داعش قوم يُقحمون الإسلام عن جهل أو عن سوء قصد في التضييق على الحرّيات في المعتقدات أو سَبيِ المحصنات الغافلات المؤمنات، فكلّ هذا ندينه لأنّه ليس من الإسلام في شيء، ولكنّ ألا يحقّ لنا أن نتساءل عن أسباب ميلادِ مثل هذه الظاهرة الغريبة التي لم تجِد إلا الإسلام حصنًا تلجأ إليه فلجأت؟.

إنّ من أسباب نشأة الدولة الإسلامية يتشّددها، وتطرّفها، وغلّوها، وما تفرّع عنها، جملة من الدوافع لعلّ أهمّها:

1- تفشي الاستبداد السياسي في الحكم وما نتج عنه من انحلال خلقي وتعصّب مذهبي، وانحراف طائفي فقدَ بسببه الإنسان أبسط حقّه في الوجود، وحُرِم المسلم فيه معالم إقامة شعائره في العبادات والمعاملات بدء بحريّة المسجد، والسّاجِد والسّجود.

2-نتاج الحرب العدوانية التي شنّها التحالف الغربي بمباركة العرب والمسلمين على النّظام العراقي، فزلزّل أركانه، وهدّم سلطانه، فأطلق التحالف تحت سلطة الأمريكيين أيدي العابثين بالثوابت والمقدّسات، والمبَشِّرين بفتنة الطائفية والمذهبية وإشاعة النعرات.

3-التدّخل الأجنبي في شؤون الدول والشعوب، لقلب نظام الحكم حتى ولو كان شرعيًا وديمقراطيًا، والتمكين لقوّة الحراب والقمع والخراب من تكميم الأفواه، وتخييط الشِفاه، والتّطاول على الرّسل والإله، والزّج في السّجون بالعلماء، والطُلابِ والدعاة.

إنّ مما تعلمناه، كقواعد مبدئية، أنّ الضغط يوّلد الانفجار، وأنّ الكبت يُؤدي إلى الانتحار، وأنّ الإيمان بالحقّ –سيقود حتمًا- إلى الانتصار.

فلا نعجب –إذن- إن رأينا، ألوان الظلم والفساد، والاستبداد التي رانت على شعوبنا العربية الإسلامية، كلّ هذه العقود من الزمن أن تولد في الكهوف والخنادق، فكرًا رافضًا، كافرًا بكلّ القيم السّائدة، ومقدما على كلّ ما يُناقِض الأنظمة القائدة، وقديمًا قال الشاعر:

إذا لم تكن إلا الأسنّة مركبًا***فلا يسع المضطر إلاّ ركوبها

لقد ألقينا –بسبب الاستبداد، والعناد بأبنائنا في كهوف الجهل، والتطرّف، ونسج المؤامرات، وها نحن نحصد اليوم جراح ما زرعنا.

فليس الحلّ إذن، للقضاء على الغلّو والتطرّف، والتشدّد بإعلان الحرب العالمية على السّلام والإسلام، فمثل هذه الحرب ستتسبب، بالإضافة إلى الدّمار وتعطيل الإعمار في ميلاد تطرّف أكثر، وحقد أعمى وأشّد، وإصرار على الرّفض، والتمرّد على الأنظمة والقيم. إنّ الحلّ الدقيق والعميق يكمن في افتكاك شعارات الدولة الإسلامية من محتكريها، والعمل على إقامة النظام الإسلامي الصحيح الذي لا يُظلمُ فيه أحد، وترسيخ المبادئ الإسلامية السَمِحة التي تقضي على الفرعونية في الحكم، والقارونية في المال والماجوجية في العلاقات والمعاملات الاجتماعية.

 

إنّنا نهيب بعقلاء السياسة في العالم أن لا ينحازوا إلى هذا التحالف العدواني، وأن يحكموا العقل والحكمة قبل فوات الأوان، وقبل خراب داعش والنصرة في الشام والبصرة.

ونحيّي مواقف الجزائر وتركيا وروسيا وغيرها من الأنظمة الرّافضة للتدّخل الأجنبي فعسى أن تكون مواقفها نموذجًا يحتذى لباقي الأنظمة والدول.

إنّ الحرب لا توّلِد إلا الدّمار والدموع والخراب والخنوع، فالوقاية خير من العلاج وتشخيص الدّاء يمثّل نصف الدواء.

فاللّهم إنّنا نبرأ إليك مما فعل أعداء الإنسانية والسّلام والإسلام مما يفعلونه بالإنسانية والسّلام والإسلام.

يوشك الرّبيع العربي –مشرقًا ومغربًا- هذا الذي عمل مُزارعوه على اخضرار أشجاره، وازدهار أزهاره، وترويج أفكاره، وتماسك ثواره، وتزايد أنصاره. يوشك هذا الرّبيع العربي، وقد خبا أواره وتكلّست أشجاره، وذبلت أزهاره، وتبلدّت أفكاره، وتشاكس أنصاره، وتقاتل ثواره، بعد أن هبّت عليه رياح الجنوب والفتن، وأتت عليه عواصف الشمال، التي تنذر بالحمم، وتلقي بصواريخها على الأمم، وتدوس على كلّ المبادئ والقيم.يوشك –إذن- أن يتحوّل الرّبيع العربي إلى شتاء غربي، لا يُبقي ولا يذر، إذ ينذر بالقضاء على أنواع من العقائد في البشر.إنّ الصراع –اليوم- قد انتقل من صراع بين الرأسمالية والاشتراكية، وبين الشمال والجنوب، إلى صراع بين الإيديولوجية اليهودية، الصليبية، العلمانية، الإسلاموفوبية من جهة، وبين العقيدة الإسلامية، الإنسانية، التوّاقة إلى التحررية من جهة أخرى.

ودع عنك ما يُرفع من شعارات مظلومة، خلاّبة كذّابة، كمحاربة الإرهاب، والقضاء على جيش النصرة، والدولة الإسلامية بالحِراب، فما ذلك إلا سراب يعقبه خراب.إنّ محاربة التطّرف والغلو، لا يكون بالحرب والنزال، ولا بقتل المدنيين من النساء والشيوخ والأطفال، فالإسلام أوّل عدّو للتطرّف، لأنّه دين الاعتدال والوسطية في تأكيده في أكثر من آية على ذلك {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} النساء171.

وفي قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً}البقرة 143.

وفي قوله: {لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ}البقرة 279.إنّ القضاء على التطرّف مهمة العلماء والمفكرين، الذين يقارعون الحجّة بالحجّة، ويناوئون المتطرّفين بالحوار على أساس الكتاب والسنة.

كما أنّ القضاء على الغلّو والتطرّف مهمة الحكام العادلين الذين يقذفون بالعدل على التطرّف الذي سببه الظلم، والإجحاف، فيدمغه فإذا هو زاهق، ولكن يا لهول ما نرى! نرى تحالفًا بين المستكبرين والظالمين والمستبِّدين للتّصدي للفكر المتطرّف الذي يرفع هو الآخر شعار الحكم بالعدل، والاحتكام إلى شرع الله في القوانين، وهي كلّها قضايا قابلة للنقاش من جانب العلماء والمفكرين.

أمّا أن نملأ الأرض والسماء جورًا وخوفًا ورعبًا، فإنّ الفساد لا يُزال بالفساد، وإنّ الظلم لا يُرفع بالظلم. لقد قلنا ولا زلنا نقول بأنّ بعض سلوك الدولة الإسلامية كقتل الأسرى، وسبي الحرائر، واضطهاد المخالفين في الدين ليس من الفهم الصحيح للإسلام، وإنّ الإسلام أوّل من يبرأ من مثل هذا الفعل، ولكن تبقى مهمة تأصيل ذلك، وتوضيحه للأسانيد مهمّة الرّاسخين في العلم والدين من العلماء والمفكرين.

غير أنّ ما نشاهده اليوم من قرع طبول الحرب، وإرسال الصواعق على شعبي العراق وسوريا وتشجيع الفتن في اليمن، ومصر، وليبيا، وغيرها من الأماكن.

إنّ ذلك كلّه هو التطرّف بعينه في الحكم، وهو الغلوّ ذاته في استخدام القوّة، وهو الكفيل بإحداث ردّ فعل مضاد من شأنه أن يدفع بالشباب إلى مزيد من التمرّد والتطرّف، وأن يكسب المزيد من حشد المتطوّعين للدفاع عن السيادة المهدورة واستعادة الكرامة المغدورة، والبحث عن “الطائفة المنصورة”.

إنّ التدخل بالقوّة في أيّة بقعة من العالم وتحت أيّ غطاء كان، هو الشرّ بعينه، وإنّ تأييد الشرّ أو تدعيمه بالقتال أو بالمال أو بالرجال أو بالأعمال، هو أشرّ من الشرّ.

لقد كنّا أوّل المندِّدين بما يقوم به البعض منّا باسم الإسلام، وإنّنا لا نبرر –مطلقًا- بعض ما قاموا به من قول أو فعل باسم الإسلام، ولكن لا ينبغي أن يُعاقب الكلّ بجرم البعض، ولا أن يتخذ ذلك ذريعة لخرق سيادة الأوطان، وسلم الشعوب.

فلا يوجد من هو اليوم، وكيل على الإنسانية، يقتل ويدّمر ويعتدي باسمها، فالإنسانية اليوم بلغت من الوعي العقلي، والرّشد الفكري ما يجعلها قادرة على حماية ذاتها دون أيّ تكليف من أحد، كما أنّ الإسلام المستهدف من هذه الحرب العالمية الظالمة يملك في ثناياه وبين صفوف أتباعه، القدرة على التصدي لكلّ أنواع المساس بالحق الإنساني الذي يكفله الإسلام بشرط توفّر العدل والحريّة والمسؤولية.

ويتملكنا العجب –حقًا- عندما نرى ممن يتصدّى لأخطاء داعش، من يأتي بأفعال أسوأ مما يأتيه الخصم، فالذي بيته من زجاج لا يمكن أن يرمي الناس بالحجارة. فالذي يعدم العلماء، والذي ينكّل بالمخالفين، والذي يغتصب الحكم من مستحقيه، والذي يكمم أفواه المواطنين… الخ.

إنّ مثل هذا لا يصلح أن يكون حكمًا، فإذا كان ضالعا في الكيد، ووَضع المؤامرات، والتدخل في شؤون الشعوب لا يمكنه أن يكون عدلا في قضايا الإنسان والإنسانية، ولا في قضايا الإسلام والمسلمين، ذلك أنّ فاقد الشيء لا يعطيه.

لقد بان الصبح لكلّ ذي عينين، وحصحص الحقّ وتبيّن الرّشد من الغي، فلا يزايد باسم الإسلام –على الإسلام- أحد.

فإذا أردنا القضاء على ظلم داعش، أو جيش النصرة، فلنبدأ بنشر العدل، والحق، فالظلم ظلام وليل، والعدل نور وضياء، وإنّ الليل يخاف من النهار، وإنّ الظلم يخاف من العدل.

فليس –والله- سوى العدل كدواء ناجع مما نحن فيه، أما حشد القوّة، وإشاعة الرّعب، وإرهاب الآمنين المطمئنين، فلا يعدو أن يكون صبًا للزيت على النار، وحال من يفعل ذلك أشبه بحال من يكتب على الماء، وتلك هي المضحكات المبكيات.

عن عمار رقبة الشرفي

- مجاز في القراءات العشر المتواترة من طريق الشاطبية والدرة. - مجاز في الكتب التسعة بالسند المتصل وبعدد من كتب الحديث الشريف. - شهادة تخرّج في العلوم الشّرعية والعربية من معهد بدرالدّين الحسني بدمشق. - شهادة الدّورة التّأهيليّة للدّعاة. - إجازة تخرج (ليسانس) من معهد الدّعوة الجامعي (فرع دمشق) في الدراسات الإسلاميّة والعربيّة. - ديبلوم ماجيستير في الفقه المقارن (تحقيق جزء من كتاب عيون الأدلّة - للقاضي أبي الحسن علي بن أحمد المالكي البغدادي المعروف بابن القصار (ت :398هـ - 1008م- قسم المعاملات. - مؤسس ومدير معهد اقرأ للقرآن وعلومه، باب الزوار- الجزائر العاصمةhttp://iqraadz.com/ - المؤسس والمشرف العام على موقع المكتبة الجزائرية الشّاملة http://www.shamela-dz.net/ - خطيب مسجد مصعب بن عمير – باب الزوار- الجزائر

شاهد أيضاً

ما جمعته يد الله لا تفرقه يد الشيطان – الإمام عبد الحميد بن باديس

إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمع بينهم الإسلام منذ بضع عشرة قرنا، ثم دأبت تلك القرون تمزج ما بينهم في الشدة والرخاء، وتؤلف بينهم في العسر واليسر، وتوحدهم في السراء والضراء، حتى كونت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصراً مسلما جزائرياً، أمه الجزائر وأبوه الإسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *